قال الحليمي: فتحمل الآية الأولى على السؤال عن التوحيد وتصديق الرسل، والثانية على ما يستلزم الإقرار بالنبوات من شرائع الدين وفروعه. وحمله غيره على اختلاف الأماكن؛ لأن في القيامة مواقف كثيرة، فموضع يسأل ويناقش، وموضع آخر يرحم ويلطف به، وموضع آخر يعنف ويوبخ - وهم الكفار - وموضع آخر لا يعنف - وهم المؤمنون -.
الثالث: لاختلاف جهة الفعل:
وهو أن تأتي آيات تبين الفعل وفاعله، ثم تأتي آيات أخرى أو حتى نفس الآية - تذكر نفس الفعل وتثبت فاعلًا آخر وهذا يعني اختلاف جهة الفعل، مع أنه نفس الفعل، فمن هنا يظهر الإشكال ويبرز أهمية دفعه.
ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] . حيث نفي الرمي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: {وَمَا رَمَيْتَ} ثم أثبته له بقوله: {إِذْ رَمَيْتَ} ، وتوجيه ذلك أن الله تعالى لم يرد به أن فعل العبد هو فعل الله تعالى - كما تظنه طائفة من الغالطين - فإن ذلك لو كان صحيحًا؛ لكان ينبغي أن يقال لكل أحد حتى يقال للماشي: ما مشيت إذ مشيت ولكن الله مشى، ويقال للراكب: وما ركبت إذ ركبت ولكن الله ركب، ويقال للمتكلم: ما تكلمت إذ تكلمت ولكن الله تكلم، ويقال مثل ذلك للآكل والشارب والصائم والمصلي ونحو ذلك، وطرد ذلك: يستلزم أن يقال للكافر ما كفرت إذ كفرت ولكن الله كفر، ويقال للكاذب ما كذبت إذ كذبت ولكن الله كذب، ومن قال مثل هذا: فهو كافر ملحد خارج عن العقل والدين، ولكن معنى الآية: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر رماهم ولم يكن في قدرته أن يوصل الرمي إلى جميعهم، فإنه إذ رماهم بالتراب وقال:"شاهت الوجوه". لم يكن في قدرته أن يوصل ذلك إليهم كلهم بقدرته، فيكون معنى الآية: وما أوصلت إذ حذفت ولكن الله أوصل، فالرمي الذي أثبته له ليس هو الرمي الذي نفاه عنه، فإن هذا مستلزم للجمع بين النقيضين، بل نفى عنه الإيصال والتبليغ وأثبت له الحذف والإلقاء. وكذلك إذا رمي سهمًا فأوصله الله إلى العدو إيصالًا خارقًا للعادة: كان الله هو الذي أوصله بقدرته.