أولًا: يحُث العلماء على النظر الموجب للعلم بغوامضه، والبحث عن دقائق معانيه، فإنَّ استدعاء الهمم؛ لمعرفة ذلك من أعظم القرب، وحذرًا مما قال المشركون {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} [الزخرف: 22] (1) ، فإنه مع الحاجة تقع الفكرة والحيلة، ومع الكفاية يقع العجز والبلادة.
ثانيًا: إظهار فضل العالم على الجاهل، ويستدعيه علمه إلى المزيد في الطلب في تحصيله؛ ليحصل له درجة الفضل، والأنفس الشريفة تتشوف لطلب العلم وتحصيله.
إذ لو كان القرآن كله محكمًا لا يحتاج إلى تأويل ونظر؛ لاستوت منازل الخلق، ولم يظهر فضل العالم على غيره.
ثالثًا: تحقيق إعجاز القرآن، لأن كلَّ ما استتبع فيه شيئًا من الخفاء المؤدي إلى التشابه، له مدخل عظيم في بلاغته وبلوغه الطرف الأعلى في البيان. فالبحث في مشكل القرآن يظهر بلاغة القرآن، وإحكامه، واتساق معانيه، وروعة ألفاظه.
رابعًا: إنَّ البحث في الشكل يوجب المشقة في الوصول إلى المراد، وزيادة المشقة توجب مزيدًا من الثواب. قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) } [آل عمران: 142] .
خامسًا: أنه لما كان القرآن مشتملًا على المحكم والمتشابه، افتقر العلماء إلى تعلم طرق التأويلات، وترجيح بعضها على بعض، وافتقر تعلم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة والنحو وعلم أصول الفقه، ولو لم يكن الأمر كذلك ما كان يحتاج الإنسان إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة.
سادسًا: تربية المسلم على التواضع ولين الجانب، فإنه عندما يرى غيره يعلم ما لا يعلمه هو، فإن هذا يدعوه إلى التعلم والاعتراف بالعجز. وفي هذا يقول عمرو بن مرة - رضي الله عنه: ما مررت بآية من كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنني، لأني سمعت الله يقول: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) } [العنكبوت: 43] .