فبيقين ندري أنه لا يختلف مسلمان في أن الله تعالى افترض التبليغ على رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأنه - صلى الله عليه وسلم - قد بلغ كما أُمر، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} ، وقال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ، وقال تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} ، وقال تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106] .
فصح أن الآيات التي ذهبت لو أُمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتبليغها لبلَّغها، ولو بلَّغها لحُفظت، ولو حفظت ما ضرها موته، كما لم يضر موته - صلى الله عليه وسلم - كل ما بلغ فقط من القرآن، وإن كان - صلى الله عليه وسلم - لم يبلغ، أو بلغه فأنسيه هو والناس أو لم ينسوه، لكن لم يأمر عليه السلام أن يُكتب في القرآن، فهو منسوخ بيقين من عند الله تعالى لا يحل أن يضاف إلى القرآن.
الثاني: تفسير أهل العلم لمعنى الحفظ في الآية.
قال الطبري: يقول تعالى ذكره: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} وهو القرآن {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ، قال: وإنا للقرآن لحافظون من أن يزاد فيه باطل ما ليس منه، أو ينقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه، والهاء في قوله: (لَهُ) من ذكر الذكر.
ثم ذكر بإسناده إلى قتادة {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} قال: حفظه الله من أن يزيد فيه الشيطان باطلا أو ينقص منه حقا، وقيل: الهاء في قوله {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} من ذكر محمد - صلى الله عليه وسلم - بمعنى: وإنا لمحمد حافظون ممن أراده بسوء من أعدائه.
قال ابن كثير: ثم قرر تعالى أنه هو الذي أنزل الذكر، وهو القرآن، وهو الحافظ له من التغيير والتبديل. ومنهم من أعاد الضمير في قوله تعالى: {لَهُ لَحَافِظُونَ} على النبي - صلى الله عليه وسلم -، كقوله: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] والمعنى الأول أولى، وهو ظاهر السياق.