قال ابن عاشور: ووضع هذا الخبر ظاهر مكشوف، فإنه لو صدق هذا؛ لكانت هذه الصحيفة قد هلكت في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو بعده، والصحابة متوافرون، وحفاظ القرآن كثيرون، فلو تلفت هذه الصحيفة لم يتلف ما فيها من صدور الحفاظ، وكون القرآن قد تلاشى منه كثير هو أصل من أصول الروافض ليطعنوا به في الخلفاء الثلاثة، والرافضة يزعمون أن القرآن مستودع عند الإمام المنتظر فهو الذي يأتي بالقرآن وقر بعير.
الوجه الثاني: على القول بتحسين الحديث، أو من قال بصحته فيجاب عليه أيضًا بهذه الوجوه:
الأول: أن عائشة ليست وحدها عندها الأوراق، والحفظ كان في صدور الرجال:
وهذا أيضًا لا حجة فيه؛ فإن مصاحف المسلمين كثيرة، والدواجن إذا أكلت ورقة لا
نستطيع إذهاب آيات القرآن من صدور مئات آلاف المسلمين، وليست عائشة وحدها عندها أوراق من القرآن، ولم تكن من كتبة الوحي المتخصصين في كل آية تنزل على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قال ابن حزم: وهذا حديث صحيح، وليس هو على ما ظنوا؛ لأن آية الرجم إذ نزلت حفظت، وعرفت، وعمل بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أنه لم يكتبها نساخ القرآن في المصاحف، ولا أثبتوا لفظها في القرآن. وقد سأله عمر بن الخطاب ذلك كما أوردنا، فلم يجبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك فصح نسخ لفظها، وبقيت الصحيفة التي كتبت فيها كما قالت عائشة - رضي الله عنها: فأكلها الداجن، ولا حاجة بأحد إليها، وهكذا القول في آية الرضاعة ولا فرق، وبرهان هذا أنهم قد حفظوها كما أوردنا، فلو كانت مثبتة في القرآن لما منع أكل الداجن للصحيفة من إثباتها في القرآن من حفظهم.