فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 245672 من 466147

وأقول - وبالله التوفيق: إنَّ هذا الأسلوب لا يكون التهديد فيه إلاَّ من الأعلى القويِّ، الظَّاهر القوَّة، الشديد البَطْش، للأدنى الضعيف المغرور بنفسه، المخدوع بأنَّ عنده من الأسباب ما يَمْنعه من وقوع هذا التهديد، وتَحقُّق هذا الوعيد، ففيه تَهْوين شأن الذين كفروا وتحقير خطرهم، وتقليل زمن مُتْعتهم وسرعة تَخْييب أملهم، مع أنَّهم كانوا يظنُّون أنَّ شأنَهم عند الله خطير؛ لأنَّهم سادة الناس، ورؤساء دينهم، وسدَنَةُ الكعبة، وسُقاة الحاجِّ، ومُكْرِمو وِفادَتِهم، ومعلِّموهم مناسكهم، ومصحِّحو عباداتهم، وسُكَّان الأرض المقدَّسة، والحَفَظة على دين إبراهيم، فَهُم لكلِّ ذلك وغيره - مِمَّا كانوا يزعمونه لأنفسهم - عند الله، وعند أنفسهم: بالمكان الذي يُبْعِدهم مما يتهدَّدهم به محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ويتوعَّدهم عن الله بالعذاب الواصب، والْهَلاك العاجل، وهم لِذَلك الغرورِ كانوا طويلي الأمل جدًّا في الحياة الدُّنيا، وشديدي الحرص على تحصيل أكثر ما يمكنهم من مُتَعِها وملاذِّها وشهواتها في بطونهم وفُروجهم، ورياستها وزينتها، يَسْعَون إليها بكلِّ سبيل، ويَعْمَلون لها بكلِّ جهودهم وتفكيرهم وهم آمنون من ناحية الآخرة؛ لأنَّهم - في نظَرِ أنفسهم - النَّاجون من كلِّ ما يحيق بالكافرين من غيرهم فيها؛ إذْ هم ذُرِّية إبراهيم، والذين يدينون دين إبراهيم، بل هم الحفَظَة والقومة عليه، لا يَعْرف العرب شيئًا منه إلاَّ بتعليمهم، وهم مع ذلك كلِّه المُقَدِّسون الذين يقدِّسونه غيرهم.

فالأسلوب الذي يتهدِّدهم الله به بقوله:"رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ" [الحجر: 2] يهدم كُلَّ ذلك من غرورهم وهم مُخادعون لأنفسهم، ويَدْعوهم إلى سُرْعة المبادرة إلى اليقَظَة من غفلتهم، والإفاقة من لَهْوهم، فإنَّ عذابَ الله واقع، ما له مِن دافع، ولكنَّهم في ضلالهم وغفلتهم بِمُتَع الشهوات البهيميَّة ولَهْوهم يعمهون.

ويدلُّ أيضًا - والله أعلم - على أنَّ العذاب سيقع بِها قليلاً وشيئًا فشيئًا، لعلَّهم يفيقون ويَرْجعون، ثم تكون الواقعة القاضية عليهم، إن لم يَثُوبوا إلى رُشْدهم من العذاب الأدنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت