وقال أيضًا: وجملة {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} زيادة في الارتقاء بالوعيد بأنّهم خالدون في العذاب، فليس ورودهم النّار بموقّت بأجل.
و (ثمّ) للترتيب الرتبي تنويهًا بإنجاء الذين اتّقوا وتشويهًا بحال الذين يبقون في جهنم جُثيًّا. فالمعنى: وعلاوة على ذلك؛ ننجي الذين اتّقوا من ورود جهنم. وليس المعنى: ثمّ ينجي المتقين من بينهم، بل المعنى أنهم نَجَوْا من الورود إلى النّار. وذكر إنجاء المتقين - أي المؤمنين - إدماج ببشارة المؤمنين في أثناء وعيد المشركين. وجملة {وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا} عطف على جملة {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} ، والظالمون: المشركون.
قلت: ومن قال بأن دخول النار يكون للناس جميعًا يقولون: بأن المؤمنين يدخلون النار من غير خوف وضرر البتة بل مع الغبطة والسرور وذلك لأن الله تعالى أخبر عنهم أنهم {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ} [الأنبياء: 103] ، ولأن الآخرة دار الجزاء لا دار التكليف، وإيصال الغم والحزن إنما يجوز في دار التكليف، إلى أن قال: وكيف يدفع عنهم الضرر في النار.
وقال بعضهم: البقعة المسماة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها ما لا نار فيه، ويكون من المواضع التي يسلك فيها إلى دركات جهنم، وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يدخل الكل في جهنم فالمؤمنون يكونون في تلك المواضع الخالية عن النار، والكفار يكونون في وسط النار. وثانيها: أن الله تعالى يخمد النار فيعبرها المؤمنون وتنهار بغيرهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما:"يردونها كأنها إهالة"وعن جابر بن عبد الله:"أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:"إذا دخل أهل الجنة الجنة قال بعضهم لبعض أليس وعدنا ربنا بأن نرد النار فيقال لهم: قد وردتموها وهي
خامدة"، وثالثها: أن حرارة النار ليست بطبعها فالأجزاء الملاصقة لأبدان الكفار يجعلها الله عليهم محرقة مؤذية والأجزاء الملاصقة لأبدان المؤمنين يجعلها الله بردًا وسلامًا عليهم)."
قلت: وهذا على صحة الأدلة التي ذكروها ولكن فيها كلام تقدم ذكره.
المعني السابع: الورود بمعنى يراها الجميع ثم يصدر عنها المؤمنون بأعمالهم.
والدليل على ذلك: