أحدهما: أنها كافة، وتسمى أيضًا مُهَيِّئَةٌ، لأنها بدخولها كفت الحرف عن العمل الذي كان وهيأته لوقوع الفعل بعده، فهي حرف، أعني: (ما) ومن شرط الفعل الواقع بعده أن يكون ماضيًا، كقوله:
375 -رُبَّمَا أوْفَيْتُ فِي عَلَمٍ. . . . . . . . . . . . . .
لأنها موضوعة للإخبار عما مضى، وأما وقوع المستقبل بعدها في الآية ففيه أوجه:
أحدها: أنه حكاية حال آتية، كما أن قوله عز وعلا: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} حكاية لحال آتية، ومن حكاية الحال قول الشاعر:
376 -جَارِيَةٌ فِي رَمَضَانَ المَاضِي ... تُقَطِّعُ الحَدِيثَ بالإيمَاضِ
والثاني: أنه على إضمار (كان) أي: ربما كان يود الذين كفروا. وأنكر أبو علي هذا وقال: من زعم أن الآية على إضمار (كان) فقد خرج بذلك عن قول سيبويه، ومعنى قوله هذا أن من أضمر (كان) فقد خالف صاحب الكتاب - رحمه الله -، لأن (كان) لا تضمر عنده إلا حيث يكون حذفٌ
يقتضيها، وفي موضع تقوى الدلالة عليها.
والثالث: أن هذا لما كان واقعًا لا محالة لِصدق المخبر صار بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه، فكأنه قيل: ربما ود الذين كفروا.
والرابع: أن (ما) لما دخلت عليها صارت بدخولها عليها قد تغيرت عما كانت عليه، فوقع بعدها ما لم يقع قبل، لأجل أن الحروف يتغير أحكامها ومعانيها بالتركيب وشهرتها تغني عن ذكرها.
والثاني: هي نكرة موصوفة، و (يود) صفتها، أي: رب شيء أو رب وُدٍّ يَوَدُّه الذين كفروا، لأن (ما) لعمومها تقع على كل شيء. والوجه هو الأول، وهو أن تكون (ما) كافة، لأن المودود هنا كونهم مسلمين ليس إلا فاعرفه، فإنه موضع لطيف.
ولا بد لربَّ من عامل يعمل فيها، وهو هنا محذوف، تقديره: رب كافر يود الإسلام يوم القيامة، أنذرت أو نحوه.
واختلف في وقت ودادهم، فقيل: عند الموت. وقيل: يوم القيامة، إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين.