ترى أنه لم يهلك قرية قط إلا بأجل معلوم ، فالأجل إذًا على زعمهم
مجهول غير معلوم وفي تسميته الأجل بالمعلوم أكبر الدليل على أنه قبل
العمل لو تميزوه. إذ من قولهم: إن أعمال العباد غير مخلوقة ، وهي
مبتدعة باختيار عامليها إن شاءوا عملوهها ، وإن شاءوا تركوها.
فهل يجوز أن يكون لمن هذه سبيله أجل معلوم في الهلاك ، والهلاك
عقوبة ذنب عامله مستطيع لتركه ،
هذا ما لا يذهب على أفهام الفهماء إذا نظروا فيه بحسن روية ، ونفاذ
بصيرة.
ذكر التأكيد فِي كلام العرب.
قوله تعالى: (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ(30)
دليل على أن في كلام العرب تأكيدًا ، بل جمع بين تأكيدين ، لأن
لأن (كُلُّهُمْ) تأكيد ، و (أَجْمَعُونَ) تأكيد آخر).
فإن قيل: فما معنى قوله: (إِلَا إبليس) وإبليس من الجن لا من الملائكة بقوله في سورة الكهف: (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ)
قيل: هو - واللَّه أعلم - مستثنى من الساجدين ، لأنهم وإن كانوا
ملائكة وإبليس جنيّا فكان في جملة المأمورين بالسجود لكينونته كان معهم
حينئذ ، والقرآن مختصر بليغ نازل بلغة العرب الذين يشيرون إلى المعاني
تارة ، ويؤكدون تارة ، في لسانها من السعة ما فيه.
وفي قوله: (يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ(32) ،
حجة فيما ذكرنا في سورة الأنعام عند انتهائنا إلى قوله: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا)
من أن في القرآن أشياء لا يجوز
استعمال ظاهرها بتة إذا كان له معارض يدفعه ، ولا يمكن توجيه ما
عورض إلا باطراح ما عارضه ، وبه يمكن استعمال المعارض بتوجيهها
معًا ، ألا ترى أن الله - جل جلاله - يستخبر إبليس عما هو أعلم به
منه ،
أفيجوز لموحد أن يقول: إن الله تبارك وتعالى لم يعلم السبب الذي
منع إبليس من السجود لآدم حتى أخبره ،
لا لعمر الله ، لا يجوز ذلك بل تعالى ذو الجلال عن هذه الأشياء ،