«فَإِنْ قِيلَ» : إن الله تعالى حكم قبل هذه الآية بأنهم في جنات وعيون، وإذا كانوا فيها فكيف يقال لهم: «ادْخُلُوها» ؟
فالجَوابُ: أنَّهم لما ملكوا جنات كثيرة، فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم: {ادخلوها بِسَلامٍ آمِنِينَ} .
{وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51) }
قوله: «عَن ضَيْفِ» ، أي أضياف إبراهيم، والضَّيْفُ في الأص مصدر ضَافَ يضيفُ: إذا أتى إنساناً يطلب القوى، وهو اسمٌ يقع على الواحدِ، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنَّث.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف سمَّاهم ضيفاً، مع امتناعهم من الأكلِ؟
فالجَوابُ: لمن ظنَّ إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه أنَّهم إنَّما دخلوا عليه لطلب الضِّيافة، جاز تسميتهم ذلك.
وقيل: من دخل دار إنسان، والتجأ إليه سمِّي ضيفاً، وإن لم يأكل، وكان إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه يكنَّى أبا الضيفان، كان لقصره أربعة أبوابٍ، لكيلا يفوته أحدٌ.
وسمِّي الضيف ضيفاً؛ لإضافته إليك، ونزوله عليك.
{قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54) }
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف استبعد قدرة الله تعالى على خلقِ الولدِ منه في زمانِ الكبرِ؟
وما فائدة هذا الاستفهام مع أنهم قد بينوا ما بشَّروا به؟
فِأجاب القاضي: بأنه أراد أن يعرف أنه تعالى هل يعطيه الولد مع أنه يبقيه على صفة الشيخوخة، أو يقلبه شابًّا، ثم يعطيه الولد؟
وسبب هذا الاستفهام: أن العادة جارية بأنه لا يحصل الولد حال الشيخوخة التامَّة، وإنما يحصل في حال الشَّبابِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : فإذا كان معنى الكلام ما ذكرتم، فلم قالوا: {بَشَّرْنَاكَ بالحق فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين} ؟
قلنا: إنهم بيَّنوا أنه تعالى بشَّرهُ بالولد مع إبقائه على صفة الشَّيخوخَةِ، وقولهم {بَشَّرْنَاكَ بالحق فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين} لا يدل على أنه كان كذلك بدليل أنه صرَّح في جوابهم بما يدلُّ على أنَّه ليس كذلك فقال: {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضآلون} .