وأجاب: بأنه يصحُّ ذلك، إذا جمعهم عليه غرضٌ صحيحٌ معتبر من مواطأةٍ على دفع حجَّةٍ أو غلبة خصم، وأيضاً: فهذه الحكاية إنما وقعت عن قوم مخصوصين، سألُوةا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنزال الملائكةِ، وهذا السؤال إنما كان من رؤساءِ القوم، وكانوا قليلي العددِ، وإقدامُ العددِ القليلِ على ما يجري مجرى المكابرة، جائزٌ.
«فَإِنْ قِيلَ» : ما معنى: {وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ} والشيطانُ لا قدرة له على هدم السماء، فأيُّ حاجة إلى حفظ السماء منه؟
قلنا: لما منعه من القرب منها، فقد حفظ السماء من مقاربة الشيطان، فحفظ الله السماء منهم، كما قد يحفظ منازلنا ممَّن يخشى منه الفساد.
{قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) }
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف يعقل هذا؛ مع أنَّ مكالمة الله تعالى من غير واسطةٍ من أعظم المناصب، وأعلى المراتب، فكيف يعقل حصوله لرأسِ الكفرِةِ؟
فالجَوابُ: أنَّ مكالمة الله إنما تكون منصباً عالياً، إذا كان على سبيل الإكرامِ والإعظام، فأما إذا كان على سبيل الإهانة، والإذلال، فلا.
{وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35) }
«فَإِنْ قِيلَ» : كلمة «إلى» تفيد انتهاء الغايةِ؛ فهذا يشعر بأنَّ اللعن لا يحصل إلاَّ يوم الدِّين، وعند القيامة يزول اللَّعن؟
فالجَوابُ من وجوه:
الأول: أن المراد التأبيد، وذكر القيامة أبعد غاية تذكرها الناس في كلامهم؛ كقولهم: {مَا دَامَتِ السماوات والأرض} [هود: 108] في التَّأبيد.
والثاني: أنك مذموم مدعو عليك باللعنة في السماوات والأرض إلى يوم الدين، من غير أن يعذب، فإذا جاء ذلك اليوم، عذِّب عذاباً ينسى اللعن معه، فيصير اللَّعن حنيئذٍ كالزائلِ؛ بسبب أنَّ شدّة العذاب تذهل عنه.
«فَإِنْ قِيلَ» : لمَّا أجابه الله إلى مطلوبه لزم ألاَّ يموت إلى وقت قيام القيامة، ووقت قيام القيامة لا موت، فلزم ألا يموت بالكلية؟