قال أبو علي: يقال: قدرت الشيء في معنى: قدّرته ، يدلّك على ذلك قول الهذليّ:
خ
ومفرهة عنس قدرت لساقها ... فخرّت كما تتابع الريح بالقفل
المعنى: قدّرت ضربتي لساقها فضربتها ، فحذف ضربتها لدلالة الكلام عليه ، كقوله: فمن كان منكم مريضا ففدية [البقرة/ 196] أي: فحلق . وهذا في المعنى كقول الآخر:
وإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها ... على الضيف يجرح
في عراقيبها نصلي وقال أيضا: يقدر في معنى يقدّر ، قال الراجز:
يا ربّ قد أولع بي وقد عبث ... فاقدر له أصيلة مثل الحفث
المعنى: قدّر له ووفّقه ، ويقال: قدر الشيء يقدره: إذا ضيّقه ، قال: ومن قدر عليه رزقه ، فلينفق مما أتاه الله [الطلاق/ 7] ، وقال: الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له [العنكبوت/ 62] ، فقوله: يقدر مقابل لقوله:
يبسط ، فقوله: يقدر خلاف: يبسط ، وكذلك قوله: فظن
أن لن نقدر عليه [الأنبياء/ 87] أي: ظنّ أن لن نضيّق عليه ، وكونه: في بطن الحوت تضييق عليه ، وخلاف الاتساع .
وقراءة ابن كثير: (قدرنا بينكم الموت) مخفّفا في معنى قدرنا .
وقراءة نافع والكسائي: فقدرنا فنعم القادرون بمعنى:
(قدرنا) الخفيفة ، وعليه جاء: القادرون ومن قرأ: (قدرنا) مخفّفا ، كان في معنى التشديد .
وقوله: القادرون بعد قدرنا يحتمل وجهين: أحدهما:
أن يكون قدرنا في معنى (قدرنا) . فجاء القادرون على اللغة الخفيفة ، كأنهما جميعا بين اللغتين .
ويجوز أن يكون: فنعم المقدّرون . فحذف تضعيف العين ، كما حذفت الهمزة من نحو:
دلو الدّالي .
و:
يخرجن من أجواز ليل غاض .
ونحو ذلك ، وكذلك قراءة الكسائيّ: (قدر) فهذا خفيفا ، ومعناه: قدّر ، وكأن المشدّدة في هذا المعنى أكثر في الاستعمال ، وفي التنزيل ، كقوله: (قدر فيها أقواتها) [فصلت/
10]، وخلق كل شيء فقدره تقديرا [الفرقان/ 2] .