والمعنى: وكان مكرهم في العظم والشدة لتزول وتتحرك منه الجبال الظاهرة؛ أي: مسوى لإزالة الجبال عن مقارها معدًّا لذلك. قال في"الإرشاد"؛ أي: وإن كان مكرهم في غاية المتانة والشدة، وعبر عن ذلك بكونه مسوى ومعدًا لذلك؛ لكونه مثلًا في ذلك. وقرأ الجمهور: {وَإِنْ كَانَ} بالنون. وقرأ عمر وعلي وعبد الله وأبيّ وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو إسحاق السبيعي وزيد بن علي شذوذًا: {وإن كاد} بالدال بدل النون {لِتَزُولَ} بفتح اللام الأولى ورفع الثانية. وروي كذلك عن ابن عباس. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن وثاب والكسائي كذلك إلا أنهم قرؤوا {وَإِنْ كَانَ} بالنون فعلى هاتين القرائتين تكون إن هي المخففة من الثقيلة، و (اللام) : هي الفارقة، وذلك على مذهب البصريين. وأما على مذهب الكوفيين فـ {إن} نافية، واللام بمعنى إلا، فمن قرأ: {كاد} - بالدال - فالمعنى أنه يقرب زوال الجبال بمكرهم ولا يقع الزوال. وعلى قراءة {كَانَ} - بالنون - يكون زوال الجبال قد وقع، ويكون في ذلك تعظيم مكرهم وشدته، وهو بحيث يزول منه الجبال وتتقطع عن أماكنها، ويحتمل أن يكون معنى {لِتَزُولَ} : ليقرب زوالها، فيصير المعنى، كمعنى قراءة كاد، ويؤيد هذا التأويل ما ذكره أبو حاتم من أن في قراءة أبيّ: {ولولا كلمة الله لزال من مكرهم الجبال} . وينبغي أن تحمل هذه القراءة على التفسير لمخالفتها لسواد المصحف المجمع عليه. وقرأ الجمهور باقي السبعة: {وَإِنْ كَانَ} بالنون، {مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ} - بكسر اللام الأولى ونصب الأخيرة - . ورويت هذه القراءة عن علي أيضًا، وعلى هذه القراءة تكون {إن} نافية و (اللام) : المكسورة؛ لتأكيد النفي، والمعنى: ومحال أن تزول الجبال بمكرهم على أن الجبال مثل لآيات الله وشرائعه الثابتة على حالها مدى الدهر. فالجملة على هذا المعنى حال من الضمير في {مَكَرُوا} لا من قوله: {وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ} ؛ أي: مكروا، والحال أن مكرهم لم يكن لتزول منه الجبال. وأما على قراءة الكسائي ومن معه: {لِتَزُولَ} - بفتح اللام الفارقة ورفع الفعل - فالجملة حينئذ حال من قوله: {وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ} ؛ أي: وعند الله المكر بهم، والحال أن مكرهم في غاية القوة