يَعْنِي رَافِعِي رُءُوسِهِمْ وَإِقْنَاعِ الرَّأْسِ: رَفْعُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّمَّاخِ:
[البحر الوافر]
يُبَاكِرْنَ الْعِضَاهَ بِمُقْنَعَاتٍ ... نَوَاجِذُهُنَّ كَالْحَدَإِ الْوَقِيعِ
يَعْنِي: أَنَّهُنَّ يُبَاكِرْنَ الْعِضَاهَ بِرُءُوسِهِنَّ مَرْفُوعَاتٍ إِلَيْهَا لِتَتَنَاوَلَ مِنْهَا، وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْلُ الرَّاجِزِ:
[البحر الرجز]
أَنْغَضَ نَحْوِي رَأْسَهُ وَأَقْنَعَا ... كَأَنَّمَا أَبْصَرَ شَيْئًا أَطْمَعَا
قَالَ الْحَسَنُ: «وُجُوهُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى السَّمَاءِ لَا يَنْظُرُ أَحَدٌ إِلَى أَحَدٍ»
عَنْ قَتَادَةَ: «الْمُقْنَعُ الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ شَاخِصًا بَصَرُهُ، لَا يَطْرِفُ»
وَقَوْلُهُ: {لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ}
يَقُولُ: لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ لِشِدَّةِ النَّظَرِ أَبْصَارُهُمْ، كَمَا [روي] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «شَاخِصَةٌ أَبْصَارُهُمْ»
وَقَوْلُهُ: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: مُتَخَرِّقَةٌ لَا تَعِي مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْخَيْرِ، فَهِيَ كَالْخَرِبَةِ»
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ:"لَيْسَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ فِي أَفْئِدَتِهِمْ، كَقَوْلِكَ لِلْبَيْتِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ: إِنَّمَا هُوَ هَوَاءٌ"
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"الْأَفْئِدَةُ: الْقُلُوبُ هَوَاءٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ، لَيْسَ فِيهَا عَقْلٌ وَلَا مَنْفَعَةٌ"
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهَا لَا تَسْتَقِرُّ فِي مَكَانٍ، تَرَدَّدُ فِي أَجْوَافِهِمْ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ أَمَاكِنِهَا فَنَشَبَتْ بِالْحُلُوقِ.
عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} «انْتُزِعَتْ حَتَّى صَارَتْ فِي حَنَاجِرِهِمْ، لَا تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ، وَلَا تَعُودُ إِلَى أَمْكِنَتِهَا»
وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: أَنَّهَا خَالِيَةٌ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْخَيْرِ، وَلَا تَعْقِلُ شَيْئًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي كُلَّ أَجْوَفَ خاوٍ: هَوَاءً، وَمِنْهُ قَوْلُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ:
[البحر الوافر]
أَلَا أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنِّي ... فَأَنْتَ مُجَوَّفٌ نَخِبٌ هَوَاءُ
وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ:
[البحر الطويل]
وَلَا تَكُ مِنْ أَخْدَانِ كُلِّ يَرَاعَةٍ ... هَوَاءٍ كَسَقْبِ الْبَانِ جَوْفٍ مَكَاسِرُهْ
انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 13/}