قِيلَ: قَدْ قِيلَ فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ قَدْ ذَكَرْتُهَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، مِنْهَا أَنَّ مَعْنَاهُ: عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ الَّذِي كَانَ قَبْلَ أَنْ تَرْفَعَهُ مِنَ الْأَرْضِ حِينَ رَفَعْتَهُ أَيَّامَ الطُّوفَانِ.
وَمِنْهَا: عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ الَّذِي قَدْ مَضَى فِي سَابِقِ عِلْمِكَ أَنَّهُ يَحْدُثُ فِي هَذَا الْبَلَدِ، وَقَوْلُهُ {الْمُحَرَّمُ} عَلَى مَا قَالَهُ قَتَادَةُ مَعْنَاهُ: الْمُحَرَّمُ مِنِ اسْتِحْلَالِ حُرُمَاتِ اللَّهِ فِيهِ، وَالِاسْتِخْفَافِ بِحَقِّهِ.
وَقَوْلُهُ: {رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ}
يَقُولُ: فَعَلْتُ ذَلِكَ يَا رَبَّنَا كَيْ تُؤَدَّى فَرَائِضُكَ مِنَ الصَّلَاةِ الَّتِي أَوْجَبْتَهَا عَلَيْهِمْ فِي بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ وَقَوْلُهُ: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} يُخْبِرُ بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ سَأَلَهُ فِي دُعَائِهِ أَنْ يَجْعَلَ قُلُوبَ بَعْضِ خَلْقِهِ تَنْزِعُ إِلَى مَسَاكِنَ ذُرِّيَّتِهِ الَّذِينَ أَسْكَنَهُمْ بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِهِ الْمُحَرَّمِ، وَذَلِكَ مِنْهُ دُعَاءٌ لَهُمْ بِأَنْ يَرْزُقُهُمْ حَجَّ بَيْتِهِ الْحَرَامِ، كَمَا: [روي] عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ:"وَلَوْ قَالَ: «أَفْئِدَةُ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ» لَحَجَّتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسُ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: {أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} فَهُمُ الْمُسْلِمُونَ"
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «لَوْ كَانَتْ» أَفْئِدَةُ النَّاسِ «لَازْدَحَمَتْ عَلَيْهِ فَارِسُ وَالرُّومُ، وَلَكِنَّهُ» أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ""
عَنِ الْحَكَمِ، قَالَ: سَأَلْتُ عِكْرِمَةَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} ، فَقَالَ: «قُلُوبُهُمْ تَهْوِي إِلَى الْبَيْتِ»
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا دَعَا لَهُمْ أَنْ يَهْوُوا السُّكْنَى بِمَكَّةَ.
وَقَوْلُهُ: {وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَارْزُقْهُمْ مِنْ ثَمَرَاتِ النَّبَاتِ وَالْأَشْجَارِ مَا رَزَقْتَ سُكَّانَ الْأَرْيَافِ وَالْقُرَى الَّتِي هِيَ ذَوَاتُ الْمِيَاهِ وَالْأَنْهَارِ، وَإِنْ كُنْتَ أَسْكَنْتَهُمْ وَادِيًا غَيْرَ ذِي زَرْعٍ وَلَا مَاءٍ، فَرَزَقَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذَلِكَ، كَمَا [روي] أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا دَعَا لِلْحَرَمِ: {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} نَقَلَ اللَّهُ الطَّائِفَ مِنْ فِلَسْطِينَ" [1] "
وَقَوْلُهُ: {لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}
يَقُولُ: لِيَشْكُرُوكَ عَلَى مَا رَزَقْتَهُمْ وَتُنْعِمُ بِهِ عَلَيْهِمْ.
[1] يقول ابن القماش:
يفتقر إلى سند صحيح، فإن صح به خبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلنا به، وإلا فالأَولى التوقف عند خبر القرآن، والله أعلم.