وجاء الحق سبحانه هنا بأوسع المعاني: المغفرة ، والرحمة ، ومعهما صفته"الودود"؛ وهي من الود ؛ والود هو الحب ؛ والحب يقتضي العطف على قدر حاجة المعطوف عليه .
ولله المثل الأعلى: نرى الأم ولها ولدان: أولهما قادر ثري يأتي لها بما تريد ؛ وثانيهما ضعيف فقير ؛ فنجد قلب الأم دائماً مع هذا الضعيف الفقير ؛ وتحنِّن قلب القويِّ القادر على الفقير الضعيف .
ونجد المرأة العربية القديمة تجيب على من سألها: أي أبنائك أحب إليك؟ فتقول: الصغير حتى يكبر ؛ والغائب حتى يعود ؛ والمريض حتى يشفى .
إذن: فالحب يقتضي العطف على قدر الحاجة .
ويقول الحق سبحانه في الحديث القدسي:
"يا بن آدم ؛ لا تَخَافنَّ من ذي سلطان ؛ ما دام سلطاني باقياً ؛ وسلطاني لا ينفد أبداً . يا بن آدم لا تَخْشَ من ضيق رزق ؛ وخزائني ملآنة ، وخزائني لا تنفد أبداً . يا بن آدم خلقتك للعبادة ؛ فلا تلعب ، وضمنت لك رزقك فلا تتعب ، فَوَعِزَّتي وجلالي إن رضيت بما قسمتُه لك أرحتُ قلبك وبدنك ؛ وكنتَ عندي محموداً ؛ وإن أنت لم ترض بما قسمتُه لك ؛ فوعزتي وجلالي لأسلِّطنَّ عليك الدنيا ، تركض فيها ركض الوحوش في البرية ؛ ثم لا يكون لك منها إلا ما قسمته لك . يا بن آدم خلقت السماوات والأرض ولم أعْيَ بخلقهنَّ ؛ أيعييني رغيف عيش أسوقه لك؟ يا بن آدم لا تسألني رزق غد كما أطلب منك عمل غدٍ . يا بن آدم أنا لك مُحِبٌّ ؛ فبحقي عليك كنْ لي مُحِبّاً".
وهذا الحديث الكريم يبيِّن مدى مودة الله سبحانه لخلقه ؛ تلك المودة التي لا تستوعبها القلوب المشركة .
ويأتي الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك بقول أهل مدين رَدّاً على شعيب عليه السلام:
{قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا}
وهذا يُظاهي قول مشركي قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد قالوا:
{قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} [فصلت: 5] .