86 -وهذا نَهْيٌ عام يشمل غير ما سَبَقَ كقطع الطرق، وتهديد الأمن وقطع الشجر، وقَتَل الحيوان، ونحو ذلك {بَقِيَّتُ اللَّهِ} ؛ أي: ما أبقاه الله تعالى لكم بعد إيفاء الكيل والميزان, وترك الحرام من الربح الحلال فهي فعيلة بمعنى المفعول، وإضافتها للتشريف كما في بيت الله، وناقة الله، فإنَّ ما بقي بعد إيفاء الكيل، والوزن من الرزق الحلال يستحق التشريفَ {خَيْرٌ لَكُمْ} ؛ أي: أكْثَرُ لكم بركةً، وأحمدُ عاقبةً مما تأخذونه بالتطفيف، وتجمعونه بالبخس من الحرام، فإن ذَلِكَ هبَاءٌ منثور، بل شر محض، وإن زعمتم أنَّ فيه خَيْرًا كما قال تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} . قال في"شرح الشرعة": ولا يَخون أحد في مبايعته بالحِيَل والتلبيس، فإنَّ الرزق لا يزيد بذلك، بل تزول بركته فمَنْ جمع المال بالحِيل حَبَّةً حَبَّةً يهلكه الله جملة قبة قبة، ويبقَى عليه وزره ذرة ذرة، كرجل كان يخلط اللبنَ بالماء ليُرَى كثيرًا، فجاء السيل، وقَتَلَ بقَرَهُ، فقالَت صِبيته: يا أبت قد اجتمعت المياه الَّتي خلطتها في اللبن، وقتلتْ البقرَ. وقرأ إسماعيل بن جعفر عن أهل المدينة: {بَقِيَّةٍ} بتخفيفِ الياء. قال ابن عطية: هي لغةٌ، انتهى. وذلك أنَّ قِياسَ فَعِلَ اللازم أن يكون على وزن فعِلٍ نحو: سَجِيَتِ المرأة فهي سَجِيَة، فإذا شدَّدت الياءَ .. كان على وزن فعيل للمبالغة. وقرأ الحسن: {تَقِيَّة} بالتاء، وهي تقواه، ومراقبته الصارفة عن المعاصي فقوله: {بقيت الله} يُرْسَم بالتاء المجرورة، وإذا وقفت عليه اضطرارًا يصح الوقف بالمجرورة، والمربوطة، وليس في القرآن غيرها، اهـ"فتوحات"؛ أي: المال الحلال الذي يبقى لكم خير من تلك الزيادة الحاصلة بطريق التطفيف {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ؛ أي: مصدقين لي في مقالتي لكم، أو إن كنتم مؤمنين به تعالى حقَّ الإيمان, فالإيمان يطهِّر النفسَ من رَذيلةِ الطمع، ويحلِّيها بفضيلة السَّخاءِ والكرم، وإنما شرط الإيمان في خيريَّة ما بقي بعد الإيفاءِ, لأنَّ فَائِدَتَهُ وهي حصول الثوابِ، والنجاةُ من العقاب إنما تَظْهَرُ مع الإيمان, فإنَّ الكَافِرَ مخلد في عذاب النيران، ومحروم مِن رضوانِ الله