وطلحة بالنون في الأول والتاء في الثاني ، والعطف على مفعول {تَأْمُرُكَ} والمعنى ظاهر مما تقدم {إِنَّكَ لاَنتَ الحليم الرشيد} وصفوه عليه السلام بهذين الوصفين الجليلين على طريقة الاستعارة التهكمية ، فالمراد بهما ضد معناهما ، وهذا هو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وإليه ذهب قتادة.
والمبرد.
وجوز أن يكونوا وصفوه بذلك بناءاً على الزعم ، والجملة تعليل لما سبق من استبعاد ما ذكروه كأنهم قالوا: كيف تكلفنا بما تكلفنا مع أنك أنت الحليم الرشيد بزعمك ؛ وقيل: يجوز أن يكون تعليلاً باقياً على ظاهره بناءاً على أنه عليه السلام كان موصوفاً عندهم بالحلم والرشد ، وكان ذلك بزعمهم مانعاً من صدور ما صدر منه عليه السلام ، ورجح الأول بأنه الأنسب بما قبله لأنه تهكم أيضاً ، ورجح الأخير بأنه يكون الكلام عليه نظير ما مر في قصة صالح عليه السلام من قوله له: {قَدْ كَانَتْ فِينَا مَرْجُوّا قَبْلَ هذا} [هود: 62] وتعقيبه بمثل ما عقب به ذلك حسبما تضمنه قوله سبحانه:
{قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ}
حجة ظاهرة {مّن رَّبّى} ومالك أموري {وَرَزَقَنِى مِنْهُ} من لدنه سبحانه {رِزْقًا حَسَنًا} هو النبوة والحكمة يدل على ذلك ، والجواب عليه من باب إرخاء العنان.
والكلام المنصف كأنه عليه السلام قال: صدقتم فيما قلتم إني لم أزل مرشداً لكم حليماً فيما بينكم لكن ما جئت به ليس غير الإرشاد والنصيحة بكم ، أنظروا بعين الانصاف وأنتم ألباء إن كنت على حجة واضحة ويقين من ربي وكنت نبياً على الحقيقة أيصح لي وأنا مرشدكم والناصح لكم أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن المعاصي والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك؟ ثم إنه عليه السلام أكد معنى الإرشاد ، وأدرج معنى الحلم فيما سيأتي من كلامه صلى الله عليه وسلم كذا قرره العلامة الطيبي.