صادراً عن الماء فتسأله عن صاحبه فيقول خالفني إلى الماء يريد أنه قد ذهب إليه وارداً وأنا ذاهب عنه صداراً ومنه قوله {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} أي أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستبد بها دونكم.
قال الإمام فخر الدين الرازي: وتحقيق الكلام فيه أن القوم اعترفوا فيها بأنه حليم رشيد وذلك يدل على كمال العقل وكمال العقل يحمل صاحبه على اختيار الطريق الأصوب الأصلح فكأنه عليه السلام قال لهم لما اعترفتم بكمال عقلي فاعملوا أن الذي اخترته لنفسي هو أصوب الطرق وأصلحها وهو الدعوة إلى توحيد الله وترك البخس والنقصان فأنا مواظب عليها غير تارك لها فاعلموا أن هذه الطريقة خير الطرق وأشرفها لا ما أنتم عليه وقال الزجاج: معناه إني لست أنهاكم عن شيء وأدخل فيه إنما أختار لكم لنفسي وقال ابن الأنباري بين أن الذي يدعوهم إليه من اتباع طاعة الله وترك البخس والتطفيف هو ما يرتضيه لنفسه وهو لا ينطوي إلا عليه فكان هذا محض النصيحة لهم {إن أريد} يعني ما أريد فيما آمركم به وإنهاكم عنه {إلا الإصلاح} يعني فيما بيني وبينكم {ما استطعت} يعني ما استطعت إلا الإصلاح وهو الإبلاغ والإنذار فقط ولا أستطيع إجباركم على الطاعة لأن ذلك إلى الله فإنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء {وما توفيقي إلا بالله} التوفيق تسهيل سبيل الخير والطاعة على العبد ولا يقدر على ذلك إلا الله تعالى فلذلك قال تعالى: {وما توفيقي إلا بالله} {عليه توكلت} يعني على الله اعتمدت في جميع أموري {وإليه أنيب} يعني وإليه أرجع فيما ينزل من النوائب وقيل إليه أرجع في معادي روي أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان إذا ذكر شعيباً قال"ذلك خطيب الأنبياء"لحسن مراجعته قومه. انتهى انتهى. {تفسير الخازن حـ 3 صـ}