وقيل: هو تعريض أرادوا به السبّ ؛ وأحسن من هذا كله ، ويدلّ ما قبله على صحته ، أي إنك أنت الحليم الرشيد حقاً ، فكيف تأمرنا أن نترك ما يعبد آباؤنا ويدلّ عليه.
{أَصَلَوَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ} أنكروا لما رأوا من كثرة صلاته وعبادته ، وأنه حليم رشيد بأن يكون يأمرهم بترك ما كان يعبد آباؤهم ، وبعده أيضاً ما يدلّ عليه.
{قَالَ يا قوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً} أي أفلا أنهاكم عن الضلال؟ا وهذا كله يدلّ على أنهم قالوه على وجه الحقيقة ، وأنه اعتقادهم فيه.
ويشبه هذا المعنى قول اليهود من بني قريظة للنبي صلى الله عليه وسلم حين قال لهم:"يا إخوة القردة"فقالوا: يا محمد ما علمناك جهولا!.
مسألة: قال أهل التفسير: كان مما ينهاهم عنه ، وعُذبوا لأجله قطع الدنانير والدراهم ؛ كانوا يقرضون من أطراف الصحاح لتفضل لهم القُراضة ، وكانوا يتعاملون على الصحاح عدّاً ، وعلى المقروضة وزنا ، وكانوا يبخسون في الوزن.
وقال ابن وهب قال مالك: كانوا يكسرون الدنانير والدراهم ، وكذلك قال جماعة من المفسرين المتقدّمين كسعيد بن المسيّب ، وزيد بن أسلم وغيرهما ؛ وكسرهما ذنب عظيم.
وفي كتاب أبي داود عن علقمة بن عبد الله عن أبيه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكسر سَكَّة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس ؛ فإنها إذا كانت صحاحاً قام معناها ، وظهرت فائدتها ، وإذا كسرت صارت سِلعة ، وبطلت منها الفائدة ؛ فأضر ذلك بالناس ؛ ولذلك حرم.
وقد قيل في تأويل قوله تعالى: {وَكَانَ فِي المدينة تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرض وَلاَ يُصْلِحُونَ} [النمل: 48] أنهم كانوا يكسرون الدراهم ؛ قاله زيد بن أسلم.
قال أبو عمر بن عبد البر: زعموا أنه لم يكن بالمدينة أعلم بتأويل القرآن من زيد بن أسلم بعد محمد بن كعب القُرَظيّ.