ولكنها لحظة الخروج ادعت أنها مخلصة للوط ، وقالت: سأخرج حيث تخرج ، ثم نظرت إلى القوم وقالت: وا قوماه ورجعت لتمكث معهم ، ولينالها العذاب الذي نالهم في الموعد الذي حددته الملائكة وهو الصبح:
{إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح أَلَيْسَ الصبح بِقَرِيبٍ} [هود: 81] .
وقد تحدد الصبح لإهلاكهم ؛ لأنه وقت الدعة والهدوء فيكون العذاب أشد نكالاً .
ويقول الحق سبحانه: {فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا}
والحق سبحانه يبين لنا هنا أن الأمر بالعذاب حين يصدر ، فالمأمور يستجيب قهراً ، ويقال إن قرى قوم لوط خمس: قرية"سدوم"وقرية"دادوما"وقرية"ضعوه"، وقرية"عأمورا"وقرية"قتم".
وقوله تعالى:
{جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} [هود: 82] .
أي: انقلبت انقلاباً تامّاً .
ويقول القرآن في موضع آخر:
{والمؤتفكة أهوى} [النجم: 53] .
والمؤتفكة من الإفك وهو الكذب المتعمَّد ، أي: قول نسبة كلامية تخالف الواقع ، ولأن من يقول الإفك إنما يقلب الحقيقة إلى غير الحقيقة زعماً ، ويقلب غير الحقيقة إلى ما يشبه الحقيقة .
كذلك المؤتفكة ، أي: القرى التي جعل عاليها سافلها فانقلبت فيها الأوضاع .
ونفذ أمر الله بأن أمطر عليهم حجارة من سجيل منضود ، وهو طين قد تحجَّر .
والحق سبحانه يقول في آية أخرى {حِجَارَةً مِّن طِينٍ} [الذرايات: 33] .
وكلمة"حجارة"تعطي الإحساس بالصلابة ، أما كلمة"طين"فتعطي إحساساً بالليونة ، ولكن الطين الذي نزل قد تحجر بأمر من الله تعالى ، وهو قد نزل منضوداً . . أي: يتتابع في نظام ، وكأن كل حجر يعرف صاحبه ، لأن الحق سبحانه يقول بعد ذلك: {مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ}