أي ما من دابة من حيوانات الأرض وأَناسيِّها إلا الله مالك لها قادر عليها، يصرفها كيف يشاء غير مستعصية عليه، إن ربي على سبيل من الحق والعدل مستقيم، فلا يضيع من اعتصم به ولا يفوته ظالم لنفسه أو لعباده.
والدابة كل ما يدب على وجه الأرض، أَي يتحرك عليها فيدخل فيها الإأنسان والحيوان والناصية مقدم الرأس وتطلق على الشعر النابت عليها، والأخذ بالناصية كناية عن القدرة والتسلط، وفي البحر لأَبى حيان أَن هذا التعبير صار عرفا في القدرة على الحيوان، والتعبير بقوله: {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} تمثيل لعدله واستقامة تدبيره لخلقه، وجزائه لهم بالثواب والعقاب، وأَنه كاف لمن اعتصم به، وفي الْكَشْف أَن في قوله تعالى: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ} إلى آخر الآية، ما يبهرك تأَمله من حسن التعليل، وأَن من توكل على الله لا يبالى بهول ما ناله، ثم التدرج إلى تعكيس التخويف بقوله: {رَبِّي وَرَبِّكُمْ} . فكيف يصاب من لزم شدة العبودية وينجو من تولى عن ربه - إِلى آخر ما نقله الآلوسي عنه، فارجع إليه إِن شئت.
{فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57) }
المفردات:
{وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ} : يجعلهم خلفاءَ لكم في دياركم {حَفِيظٌ} : عليم.
التفسير
57 - {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ} :
أَي فإن تتولوا وتعرضوا عما دعوتكم إليه، فلا عذر لكم، فقد أَبلغتكم رسالة ربى إليكم، وبذلت لكم النصح، وقدمت الحجج والبراهين، وأديت حق ربي، فلا تفريط منّى، ولا حجة لكم.
{وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ} :
كلام مستأْنف مراد به وعيدهم وإِنذارهم، بأَنه تعالى سوف يهلكهم إِن استمروا على كفرهم، ويستخلف مكانهم قوما آخرين في ديارهم وأَموالهم.
{وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا} :
ولا تضرون ربي شيئا من الضرر، لا بإعراضكم وتوليكم عن دينه، ولا بإِهلاككم بذنوبكم، فإن هلاككم لا ينقص ملكه، ولا يخل بأَمره.