قال شعب عاد لنبيهم هود، وهم مصرون على رفض دعوته: يا هود أنت ما جئتنا بحجة تدل على صدق نبوتك، يقولون ذلك ليجعلوا منه سبيلا إِلى عدم الاستجابة إلى ما دعاهم إليه، والحق أنهم كاذبون، فقد جاءهم من المعجزات فوق ما يكفى لطمأْنينة من أَلقى السمع، وأَجال البصر، وفكر بعقل حر، فما من نبي إلا أيده الله من الآيات بما يكفى لإيمان أهل الحق. قال - صلى الله عليه وسلم:"مَا مِن نَبيٍّ منَ الْأنبِيَاءِ إلا أعْطِىَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثلُهُ آمَنَ عَلَيْه البَشَر، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذى أُوتِيتُ وَحْيًا أوحَاهُ اللهُ إلَيَ، فَأرْجُوْ أنْ أكُونَ أكْثَرهُم تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
والمقصود من كون الذي أُوتيه الرسول وحيا، أنه اختص بالقرآن إلى جانب معجزاته الأُخرى التي يشاركه في مثلها الأَنبياءُ، فالقرآن هو أعظم معجزاته التي تحدى
بها البشر، واعلم أَن كل نبي أُوتى معجزة لم يؤْتها غيره، وهي التي تحدى بها قومه وهذا لا ينافى حصول خوارق أُخرى على يديه. وبعد أن نفوا مجيء هود عليه السلام ببينة قالوا:
{وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} :
أي وما نحن بتاركى عبادة آلهتنا صادرين في تركها عن قولك وما نحن لك بمصدقين نبوتك حتى فرفض آلهتنا بسبب قولك لنا: دعوها واتركوها.
54، 55 - {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ... } الآية.
أَي ما نقول في شأْن ما أَنت عليه وجئتنا به إلا أَنك أَصابك بعض آلهتنا بشر ساءَك فأَفقدك عقلك، وجعلك تهذى وتتكلم بالخرافات عن آلهتنا، وتدعو إلى إله واحد وتخوفنا بعقابه في الآخرة، إلى غير ذلك مما تقول، ولقد سلك هؤلاء في عنادهم سبيل التدرج والتسلسل، فنفوا مجيئه ببينة ثم نفوا تركهم لآلهتهم لمجرد قوله لهم (اتركوها) دون أَن يقنعهم بحجه تقتضي تركهم لها، ثم نفوا تصديقهم له، لأَنه لا حجة لديه تثبت نبوته، ثم بعد هذا الهذيان كله قالوا فيه ما قالوه من السباب {قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} .
ولقد حكى الله تعالى رده عليهم بعد هذا كله بقوله: