ثم أجاب عليهم بقوله: {إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} وهذا الكلام مستأنف على تقدير سؤال كأنه قيل: فماذا قال لهم؟ والمعنى: إن تسخروا منا بسبب عملنا للسفينة اليوم ، فإنا نسخر منكم غداً عند الغرق.
ومعنى السخرية هنا: الاستجهال ، أي: إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم كما تستجهلون ، واستجهاله لهم باعتبار إظهاره لهم ومشافهتهم ، وإلا فهم عنده جهال قبل هذا وبعده ، والتشبيه في قوله: {كَمَا تَسْخَرُونَ} لمجرد التحقق والوقوع ، أو التجدّد والتكرّر ، والمعنى: إنا نسخر منكم سخرية متحققة واقعة كما تسخرون منا كذلك ، أو متجدّدة متكرّرة كما تسخرون منا كذلك.
وقيل معناه: نسخر منكم في المستقبل سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق ، وفيه نظر ، فإن حالهم إذ ذاك لا تناسبه السخرية ، إذ هم في شغل شاغل عنها.
ثم هدّدهم بقوله: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} وهو عذاب الغرق في الدنيا {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} وهو عذاب النار الدائم ، ومعنى يحلّ: يجعل المؤجل حالاً ، مأخوذ من حلول الدين المؤجل ، و"من"موصولة في محل نصب ، ويجوز أن تكون استفهامية في محل رفع: أي أينا يأتيه عذاب يخزيه.
وقيل: في موضع رفع بالابتداء ، و {يأتيه} الخبر ، و {يخزيه} صفة لعذاب.
قال الكسائي: إن ناساً من أهل الحجاز يقولون:"سوف تعلمون"؛ قال: ومن قال"ستعلمون"أسقط الواو والفاء جميعاً ، وجوّز الكوفيون"سف تعلمون"ومنعه البصريون ، والمراد بعذاب الخزي: العذاب الذي يخزي صاحبه ، ويحل عليه العار.
قوله: {حتى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التنور} "حتى"هي الابتدائية دخلت على الجملة الشرطية ، وجعلت غاية لقوله: {واصنع الفلك بأعيننا} .