قوله: (فدعا عليهم) أي بعد اليأس من إيمانهم، وحصول غاية المشقة له منهم، فكانوا يضربونه حتى يسقط، فيلقونه في اللبد ويلقونه في بيت يظنون موته، فيخرج في اليوم الثاني، ويدعوهم إلى الله تعالى، وكانوا يخنقونه حتى يغشى عليه، فإذا أفاق قال: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، وكان الوالد منهم يوصي أولاده بعدم اتباعه ويقول: قد كان هذا الشيخ مع آبائنا وأجدادنا هكذا مجنوناً، فلا يقبلون منه شيئاً. فلما أوحي إليه بعدم إيمانهم دعا عليهم كما قال المفسر.
قوله: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ} يطلق مفرداً وجمعاً، والمراد هنا المفرد، وكان طولها ثمانين ذراعاً، وعرضها خمسين، وطولها لجهة العلو ثلاثين ذراعاً والذراع إلى المنكب، وهذا أشهر الروايات، وقيل كان طولها ألفاً ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، وقيل غير ذلك، جعلها ثلاث طبقات، فالسفلى للوحوش والسباع والهوام، وفي الوسطى الدواب والأنعام، وركب هو ومن معه في العليا، وقيل السفلى للدواب والوحوش، والوسطى للإنس والعليا للطير، وأول ما حمله نوح الدرة، وآخر ما حمل الحمار، فلما أراد أن يدخل الحمار، أدخل صدره فتعلق إبليس بذنبه، فاستثقل رجلاه، وجعل نوح يقول: ويحك ادخل، فينهض فلا يستطيع حتى قال له: ادخل ولو كان الشيطان معك فدخ، فقال له نوح: ما أدخلك علي يا عدو الله؟ قال: ألم تقل ادخل وإن كان الشيطان معك؟ قال: اخرج عني يا عدو الله، قال: لا بد أن تحملني معك، هكذا قيل، وقيل إنه لم يحمله معه في السفينة وهو الصحيح، لأنه لم يثبت في حمله خبر صحيح، ومكث في صنع السفينة مائتي سنة، مائة في غرس الأشجار، ومائة في عملها وهي من خشب الساج.
قوله: (بمرأى منا وحفظنا) دفع بذلك ما يقال إن ظاهره مستحيل لاستحالة الأعين، بمعنى الجارحة المعلومة على الله. فأجيب: بأن أطلق الملزوم وأرد اللازم، لأنه يلزم من كون الشيء بالأعين، أنه مبالغ في حفظه.
قوله: {وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي لا تراجعني في شأنهم، فإن الهلاك لا بد لهم منه، قوله: (حكاية حال ماضية) أي فالمضارع بمعنى الماضي.