ومعنى (أحكمت آياته) صارت محكمة متقنة لا نقص فيها ولا نقض لها كالبناء المحكم المرصف، وقيل معناه أنها لم تنسخ بخلاف التوراة والإنجيل، وعلى هذا فيكون هذا الوصف للكتاب باعتبار الغالب وهو المحكم الذي لم ينسخ، وقيل معناه أحكمت آياته بالأمر والنهي، والآيات المراد بها حقيقتها وهي الجمل من السور المنفصل بعضها عن بعض أي نظمت نظماً متقناً لا يعتريه خلل بوجه من الوجوه، وقيل معنى أحكامها إن لا فساد فيها أخذاً من قولهم أحكمت الدابة إذا وضعت عليها الحكمة لتمنعها من الجماح.
(ثم فصلت) بالوعد والوعيد والثواب والعقاب، وقيل أحكمها الله من الباطل ثم فصلها بالحلال والحرام، وقيل أحكمت جملته ثم فصلت آياته، وقيل جُمعت في اللوح المحفوظ ثم فُصلت بالوحي، وقيل أيدت بالحجج القاطعة الدالّة على كونها من عند الله، والتراخي المستفاد من ثم إما زماني إن فسر التفصيل بالتنجيم على حسب المصالح، وإما رتبي إن فسر بغيره مما تقدم، وإليه ذهب الزمخشري، وقال: هي محكمة أحسن الأحكام ثم مفصلة أحسن
التفصيل كما يقال فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل.
(من لدن حكيم خبير) فيه طباق حسن، لأن المعنى أحكمها حكيم وفصلها خبير عالم بواقع الأمور، وقيل صفة ثانية لكتاب خبر ثان وإليه نحا الزمخشري وقيل غير ذلك
(أن لا تعبدوا إلا الله) قال الكسائي والفراء: التقدير أحكمت بأن، وقال الزجاج: أحكمت ثم فصلت لئلا تعبدوا، وقيل تعليل للفعلين قبله أي لأجل إن تتركوا عبادة غير الله وتعبدوا الله فأخذ الترك من لا النافية والإثبات من الاستثناء.