ثم ذكر سبحانه طرفاً من آثار قدرته مع الامتنان على عباده ببعض نعمه ، فقال: {هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً} أي: جعل لعباده الزمان منقسماً إلى قسمين: أحدهما: مظلم وهو: الليل ؛ لأجل يسكن العباد فيه عن الحركة والتعب ، ويريحون أنفسهم عن الكدّ والكسب.
والآخر: مبصر ، لأجل يسعون فيه بما يعود على نفعهم ، وتوفير معايشهم ، ويحصلون ما يحتاجون إليه في وقت مضيء منير ، لا يخفى عليهم فيه كبير ولا حقير ، وجعله سبحانه للنهار مبصراً مجاز.
والمعنى: أنه مبصر صاحبه كقولهم: نهاره صائم ، والإشارة بقوله: {إِنَّ فِى ذَلِكَ} إلى الجعل المذكور {لآيَاتٍ} عجيبة كثيرة {لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} أي: يسمعون ما يتلى عليهم من الآيات التنزيلية المنبهة على الآيات التكوينية مما ذكره الله سبحانه هاهنا منها ، ومن غيرها مما لم يذكره ، فعند السماع منهم لذلك يتفكرون ويعتبرون ، فيكون ذلك من أعظم أسباب الإيمان.
قوله: {قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً سبحانه هُوَ الغني} هذا نوع آخر من أباطيل المشركين التي كانوا يتكلمون بها ، وهو زعمهم بأن الله سبحانه اتخذ ولداً ، فردّ ذلك عليهم بقوله: {سبحانه هُوَ الغني} فتنزّه جل وعلا عما نسبوه إليه من هذا الباطل البين ، وبين أنه غنيّ عن ذلك ، وأن الولد إنما يطلب للحاجة.
والغنيّ المطلق لا حاجة له حتى يكون له ولد يقضيها ، وإذا انتفت الحاجة انتفى الولد ، وأيضاً إنما يحتاج إلى الولد من يكون بصدد الانقراض ، ليقوم الولد مقامه ، والأزليّ القديم لا يفتقر إلى ذلك.
وقد تقدّم تفسير الآية في البقرة.
ثم بالغ في الردّ عليهم بما هو كالبرهان ، فقال: {لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} ، وإذا كان الكل له ، وفي ملكه ، فلا يصح أن يكون شيء مما فيهما ولداً له للمنافاة بين الملك والبنوّة والأبوّة.