{وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} : أَي ومن يقوم بتدبير أُمور العالم كله بعد إيجاده، فسيكون جوابهم أَن فاعل ذلك كله هو الله رب العالمين وحده بلا تردد في الجواب ولا تأْخير، إذ لا مجال للمكابرة لوضوحه غاية الوضوح، ولأنهم معترفون به، ثم يأمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أَن يقول لهم تبكيتًا وتوبيخًا بقوله: {فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} .
أَي أَتقرون بأَن الله هو الرزاق، وهو الذي يهب السمع والأبصار ويملكهما، والذي يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى، والذي يدبر أَمر الكائنات بحكمته - أَتقرون بذلك - فلا تقون أَنفسكم من عذابه بترك عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تقدر على شيءٍ من هذه الأُمور.
أَليس الأَجدر بمن يقرون بذلك كله أَن يؤمنوا بالله وحده، ويتقوه ويعبدوه مخلصين له الدين.
{فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32) كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} .
المفردات:
{فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} : أَي فكيف تتحولون عن الحق.
{فَسَقُوا} : خرجوا عن طاعة الله، وأصل الفسق الانسلاخ عن الجلد، ومنه فسقت الرطبة عن قشرها، أَي انسلخت منه، والفاجر فاسق لانسلاخه عن طاعة الله.
التفسير
32 - {فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ} : أَي فذلكم القادر على الحق المتصرف فيه باعترافكم هو الله المربى لكم على موائد كرمه، الذي تتوالى عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، الحقُّ الجدير بأَن يعبد وحده دون شريك.
{فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} :
في هذا تقرير بأَن المعبود الحق واحد لا يتعدد وضده الباطل، ولا وسيط بينهما فلا يجتمع الإيمان والشرك في قلب واحد، وهذا استفهام للنفى والتوبيخ.
والمعنى إِذا كان الله هو الرب الحق وانصرفتم عن إِفراده بالعبادة فليس بعد ترك الحق إلا الضلال، وهو إِشراك الأَصنام مع الله في العبادة، وهو أَمر لا يختاره عاقل.