تبدأ هذه الجولة بتقرير أن مرجع القوم إلى الله ، سواء وقع بعض الوعيد الذي كلف الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يبلغه لهم ، في حياته أو بعد وفاته. فالمرجع إلى الله في الحالين. وهو شهيد على ما يفعلون في حضور الرسول بالحياة ، وفي غيبته بالوفاة. فلن يضيع شيء من أعمالهم ولن تعفيهم وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - مما يوعدون.
{وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ، ثم الله شهيد على ما يفعلون} .. فالأمور مدبرة سائرة حسب التدبير ، لا يخرج منها حرف ، ولا يتغير بالطوارئ والظروف. ولكن كل قوم يُنظرون حتى يجيء رسولهم ، فينذرهم ويبين لهم ، وبذلك يستوفون حقهم الذي فرضه الله على نفسه بألا يعذب قوماً إلا بعد الرسالة ، وبعد الإعذار لهم بالتبيين.
وعندئذ يقضي بينهم بالقسط حسب استجابتهم للرسول:
{ولكل أمة رسول ، فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون} .
ونقف من هاتين الآيتين أمام حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية التي يرتكز عليها التصور الإسلامي كله. وعناية المنهج القرآني بتوضيحها وتقريرها في كل مناسبة ، وفي صور شتى متنوعة..
إنه يقال للرسول - صلى الله عليه وسلم - إن أمر هذه العقيدة ، وأمر القوم الذين يخاطبون بها. كله لله ، وأن ليس لك من الأمر شيء . دورك فيها هو البلاغ ، أما ما وراء لك فكله لله. وقد ينقضي أجلك كله ولا ترى نهاية القوم الذين يكذبونك ويعاندونك ويؤذونك ، فليس حتماً على الله أن يريك عاقبتهم ، وما ينزله بهم من جزاء.. هذا له وحده سبحانه! أما أنت - وكل رسول - فعليك البلاغ.. ثم يمضي الرسول ويدع الأمر كله لله.. ذلك كي يعلم العبيد مجالهم ، وكي لا يستعجل الدعاة قضاء الله مهما طال عليهم في الدعوة ومهما تعرضوا فيها للعذاب!!
{ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟} ..