هذا وعيد من الله تعالى لهؤلاءِ الأَعراب بأَن تدور عليهم الدائرة وينزل بهم من البلاءِ ما تمنوه للرسول وأَصحابه، وأنهم لا يرون فيهم إِلا ما يسوءُهم من نصر ورفعة شأْن.
{وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} :
أَي والله تعالى عظيم السمع واسع العلم فلا تخفى عليه خافية مما أَضمروه من النفاق وإِرادة السوءِ بالمؤْمنين وهو محاسبهم ومجازيهم أَشد الجزاءِ.
{وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ} :
هذا هو الفريق الثاني وهو الذي يصدِّق بوجود الله تعالى وبصفاته وباليوم الآخر وما فيه من الثواب والعقاب، ويعتبر أَن كل ما ينفعه في سبيل الله هو وسيلة إلى رضا الله
والتقرب منه، كما أَنه سبب في دعاء الرسول واستغفاره لهم حيث كان صلى الله عليه وسلم يدعو للمُصَّدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم، عند أَخذه الزكاة الواجبة والصدقات المندوبة ليوزعها على مستحقيها، ولذلك كان من السنة الدعاءُ للمتصدق بالخير والبركة، لكن ليس له أَن يدعو بلفظ الصلاة كما فعله عليه الصلاة والسلام مع بعض المتصدقين، فقد ورد أَنه قال: اللهم صلى على آل أَبي أَوفى فإن ذلك كان مختصًّا به، يتفضل به على من يشاءُ، ثم أَخبر الله عن قبولها منهم بقوله:
{أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ} :
أَي أَلا إن إنفاقهم الصادر عن الإخلاص لله قربة عظيمة لهم عند الله تعالى.
وقد وعدهم الله عليها بإِدخالهم الجنة في قوله:
{سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ} :
أَي يشملهم ويغمرهم برحمته وفضله جزاءَ إخلاصهم.
{إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} :
إنه تعالى عظيم المغفرة واسع الرحمة لا يخلف وعده، فيثيب هؤلاءِ على إخلاصهم في عملهم لله تعالى.
{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) } .
التفسير