وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ بَعْدَ ذِكْرِ جَنَّاتِ عَدْنٍ يُرَادُ بِهِ أَعْلَى دَرَجَاتِ الرِّضْوَانِ ، وَمَا هُوَ إِلَّا مَقَامُ رُؤْيَةِ الرَّبِّ تَعَالَى الَّتِي تَكْمُلُ بِهَا مَعْرِفَةُ الرَّحْمَنِ ، وَتَتِمُّ سَعَادَةُ الْإِنْسَانِ ، فَالْإِنْسَانُ جَسَدٌ وَرُوحٌ ، فَفِي الْجَنَّاتِ وَمَسَاكِنِهَا أَعْلَى النَّعِيمِ الْجُسْمَانِيِّ ، وَرَضْوَانُ اللهِ الْأَكْبَرُ هُوَ أَعْلَى النَّعِيمِ الرُّوحَانِيِّ ، فَالتَّنْوِينُ فِيهِ لِلتَّعْظِيمِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا حَرَّرْتُهُ أَنَّهُ لَمْ يُعْطَفْ مُفْرَدًا عَلَى مَا قَبْلَهُ مِمَّا وُعِدُوا بِهِ عَلَى الْإِيمَانِ وَأَعْمَالِهِ ; لِأَنَّهُ فَوْقَ كُلِّ جَزَاءٍ ، كَمَا أُشِيرَ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ (10: 26) بَلْ جَاءَ مَرْفُوعًا فِي اللَّفْظِ كَرِفْعَةِ مَعْنَاهُ ، فِي جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ تَقْدِيرُهَا: وَهُنَالِكَ رِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ وَأَعْظَمُ مِنْ تِلْكَ الْجَنَّاتِ وَمَا فِيهَا ، لَا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ ، وَلَا يُكْتَنَهُ سِرُّهُ .
فَهَذَا مَا يُفْهَمُ بِمَعُونَةِ الْحَدِيثِ مِنَ اخْتِلَافِ إِعْرَابِهِ وَوَصْفِهِ بِاسْمِ التَّفْضِيلِ (أَكْبَرُ) وَقَدْ وَرَدَ لَفْظُ (وَرَضْوَانٌ) مَعْطُوفًا عَلَى مَا قَبْلَهُ غَيْرَ مَوْصُوفٍ بِهَذَا الْوَصْفِ ، وَلَا مَوْصُولًا بِكَوْنِهِ مِنَ اللهِ فِي آيَةِ: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ (21) مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ ، وَذَكَرْتُ فِي تَفْسِيرِهَا مَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ