ثم ذكّر الله تعالى بموقفهم المتخاذل في الماضي، وحرّض نبيه صلّى الله عليه وآله وسلم على مهادنة المنافقين، فقال تعالى ذاكرا نوعا آخر من مكر المنافقين وخبث باطنهم: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ ... أي لقد أرادوا إيقاع الفتنة بين المسلمين من قبل ذلك، في غزوة أحد، حين اعتزلهم عبد الله بن أبي زعيم المنافقين بثلث الجيش، في موضع يسمى الشوط بين المدينة وأحد، ثم قال للناس: أطاع النبي الولدان ومن لا رأي له، فعلام نقتل أنفسنا؟ وكاد يتبعه بنو سلمة وبنو حارثة، ولكن عصمهم الله من الهوان: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا، وَاللَّهُ وَلِيُّهُما ... [آل عمران 3/ 122] فكان خروجهم مع المؤمنين خطرا عليهم، وشرا محققا بهم.
وأرادوا أيضا تدبير الحيل والمكايد للنبي، وفكروا في إبطال أمره، حتى جاء النصر والتأييد، وظهر أمر الله، أي وغلب دينه وعلا شرعه، بالتنكيل باليهود، وإبطال الشرك بفتح مكة، وانتشار الإسلام، وهم كارهون لذلك.
قال ابن كثير: لما قدم النبي صلّى الله عليه وآله وسلم المدينة، رمته العرب عن قوس واحدة، وحاربته يهود المدينة ومنافقوها، فلما نصره الله يوم بدر، وأعلى كلمته، قال عبد الله بن أبي وأصحابه: هذا أمر قد توجه (أي أقبل) . فدخلوا في الإسلام ظاهرا، ثم كلما أعز الله الإسلام وأهله، غاظهم ذلك وساءهم، ولهذا قال تعالى:
حَتَّى جاءَ الْحَقُّ، وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ، وَهُمْ كارِهُونَ.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
1 -ترك المنافقين الاستعداد للمعركة دليل واضح على أنهم أرادوا التخلف، سواء أذن لهم النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أو لم يأذن، مع أنهم كانوا موسرين قادرين على تحصيل الأهبة والعدة.
2 -إن لوم هؤلاء على ترك الإعداد للقتال يدل على وجوب الاستعداد للجهاد قبل وقت وقوعه، وهو كقوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ [الأنفال 8/ 60] .
3 -لم تكن مشاركة المنافقين وخروجهم للقتال مع المؤمنين في غزوة تبوك وغيرها خيرا ومصلحة، وإنما كانت شرا ومفسدة، وقد شرح تعالى المفاسد وحصرها في ثلاث: