وعلى هذا يمكن أن يقال: معناه كراهة أن يجاهدوا وفي قوله {والله عليم بالمتقين} رمز إلى أنهم من جملة المتقين وأن لهم ثوابهم. ثم بين الذين من شأنهم الاستئذان فقال {إنما يستأذنك} الآية. وفيه أن الشاك في أمر الدين وفي أصوله لا في بعض مسائلة غير مؤمن بالله تعالى ، وفيه أن محل الريب واليقين هو القلب وأن الإيمان ليس مجرد الإقرار باللسان وإلا لم يصح نفيه عن المنافقين. ومعنى قوله {فهم في ريبهم يترددون} أن الشاك متردد بين النفي والإثبات غير حاكم بأحد الطرفين. وتقريره أن الاعتقاد إما أن يكون جازماً أولاً ، فالجازم إن كان غير مطابق فهو الجهل وإن كان مطابقاً فإما بضرورة أو نظر فهو العلم أولاً وهو اعتقاد المقلد. وغير الجازم إن كان أحد الطرفين راجحاً عنده فالراجع هو الظن والمرجوح هو الوهم ، وإن تساوى الطرفان فهو الريب والشك فلهذا كانت الحيرة والتردد من شأن صاحبه كما أن الثبات والاستقرار ديدن المستبصر. قال المفسرون: إن المستأذنين هم المنافقون وكانوا تسعة وثلاثين رجلاً. ثم نعى على المنافقين سوء فعالهم فقال {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة} قال ابن عباس: يريد من الماء والزاد والراحلة لأن سفرهم بعيد والزمان شديد ، فتركهم العدّة دليل على أنهم أرادوا التخلف. قال العلماء: وفيه إشارة إلى أنهم كانوا مياسير قادرين على تحصيل الأهبة والعدّة. {ولكن كره الله انبعاثهم} أي انطلاقهم {فثبطهم} والتثبيط رد الإنسان عن الفعل الذي هم به. ومعنى الاستدراك أن قوله {ولو أرادوا الخروج} يعطي معنى نفي الخروج وكأنه قيل: ما خرجوا ولكن تنبطوا لأن الله تعالى صرفهم عن ذلك كما تقول: ما أحسن إليّ زيد ولكن أساء إليّ. ومثل هذا يسمى في علم البديع صنعة الاستدراك. وقد يقال: تأكيد الذم بما يشبه المدح. ولو قيل مثل هذا في المنع لقيل تأكيد المدح بما يشبه الذم. وههنا سؤال وهو أن خروجهم مع الرسول إن كان مفسدة فلم