والمعنى: عليكم أيها المؤمنون أن تمتثلوا ما أمرتم به، وتنتهوا عمَّا نهيتهم عنه، ولا تكونوا كأعدائكم المشركين الذين خرجوا من ديارهم في مكة وغيرها من الأماكن التي استنفرهم منها أبو سفيان بطرين بما أوتوا من قوةٍ ونعم لا يستحقونها، مرائين الناس بها ليعجبوا بها ويثنوا عليهم بالغنى والقوة والشجاعة. وظاهر النظم الكريم أن قوله: {بَطَرًا} متعلق بخرجوا، وهو لا يوافق الواقع؛ لأن خروجهم كان لغرضٍ مهم، وهو المنع عن عيرهم، والحق: أن يكون علة لمعلول محذوف، تقديره: خرجوا من ديارهم ليمنعوا عيرهم، ولم يرجعوا بعد نجاتها بطرًا، فهو علة لهذا المقدر، وهو قولنا: لم يرجعوا، وعلة الخروج: منعهم عن عيرهم كما قدرنا، كما ذكره في"الفتوحات".
وقوله: {وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} ؛ أي: ويمنعون الناس عن الدخول في دين الله، بمعاداة النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، معطوفٌ على {بَطَرًا} على كلا التأويلين.
والمعنى: ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرين مرائين، صادين عن سبيل الله، أو خرجوا للبطر والرياء والصد عن سبيل الله تعالى. والصد: إضلال الناس، والحيلولة بينهم وبين طرق الهداية، ويجوز أن يكون {وَيَصُدُّونَ} معطوفًا على {خَرَجُوا} والمعنى: يجمعون بين الخروج على تلك الصفة والصد عن سبيل الله.
وإنّما ذكر البطر والرياء بصيغة الاسم، والصد بصيغة الفعل؛ لأنَّ أبا جهل ورهطه كانوا مجبولين على المفاخرة والرياء، وأما صدهم عن سبيل الله .. فإنّما حصل في الزمان الذي ادَّعى فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - النبوة. {والله} سبحانه وتعالى: {بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} بعلمه؛ أي: عالم بما جاؤوا لأجله؛ أي: إنَّه تعالى عالم بجميع الأشياء، ظواهرها وبواطنها, لا يخفى عن علمه شيء ٌ؛ لأنه محيط بأعمال العباد كلِّها، فيجازي المحسنين ويعاقب المسيئين.