وَقَدْ حَدَّثَنَا الْعَلَّامَةُ الْفَقِيهُ الصُّوفِيُّ الْأَدِيبُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْغَنِيِّ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ كَانَ غَلَبَ عَلَيْهِ حَالُ التَّوَكُّلِ ، وَحَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ بِأَنَّهُ صَارَ مُقَدَّمًا لَهُ ، فَامْتَحَنَّاهُ بِسَفَرٍ خَرَجَ فِيهِ مِنْ بَلَدِهِ ، وَلَيْسَ فِي يَدِهِ مَالٌ ، فَسَخَّرَ اللهُ لَهُ مِنَ الْأَسْبَابِ الشَّرِيفَةِ مَا كَانَ بِهِ سَفَرُهُ لَائِقًا بِكَرَامَتِهِ ، وَحُسْنِ مَظْهَرِهِ ، وَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهُ سَخَّرَ لَهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ مِنْ أَغْنِيَاءِ الْمُسَافِرِينَ بِالْبَاخِرَةِ فَتَبَرَّعَ لَهُ بِأُجْرَةِ السَّفَرِ فِيهَا إِلَى حَيْثُ أَرَادَ . وَمِثْلُ هَذَا التَّسْخِيرِ يَقَعُ كَثِيرًا لِرِجَالِ الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ فِي أَقْوَامِهِمْ وَأَقْطَارِهِمْ ، وَنَاهِيكَ مَا كَانَ يَمْتَازُ بِهِ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ مِنْ جَمَالِ الصُّورَةِ ، وَمَهَابَةِ الطَّلْعَةِ ، وَحُسْنِ الزِّيِّ وَالْوَقَارِ يُزَيِّنُهُ اللُّطْفُ وَالتَّوَاضُعُ ، وَلَكِنْ هَلْ يَقْدَمُ مَنْ كَانَ مِثْلَهُ فِي كَرَامَتِهِ وَإِبَائِهِ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ بَلَدِهِ ، وَرُكُوبِ الْبَحْرِ وَهُوَ لَا يَحْمِلُ دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا لَوْلَا شِدَّةُ الثِّقَةِ بِاللهِ ، وَاطْمِئْنَانُ الْقَلْبِ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ ؟ كَلَّا إِنَّمَا يَقْدَمُ عَلَى مِثْلِ هَذَا مِمَّنْ لَا يَعْقِلُ مَعْنَى التَّوَكُّلِ أُنَاسٌ مِنَ الشُّطَّارِ اتَّخَذُوا الِاحْتِيَالَ عَلَى اسْتِجْدَاءِ الْأَغْنِيَاءِ وَالْأُمَرَاءِ بِمَظَاهِرِهِمُ الْخَادِعَةِ وَتَلْبِيسَاتِهِمُ الْبَاطِلَةِ ، صِنَاعَةً يُرَوِّجُونَهَا بِالْغُلُوِّ فِي إِطْرَائِهِمْ .