والثاني: ما ذكرنا أن ذكر العود فيه لدوامهم فيه وإن لم يخرجوا منه، وذلك جائز في اللسان؛ كقوله: (يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) ابتداء إخراج من غير أن كانوا فيه، وكقوله: (رَفَعَ السَّمَاوَاتِ) ابتداء رفع، لا أن كانت موضوعة فرفعها من بعد؛ فعلى ذلك قوله: (وَإِنْ يَعُودُوا) يحتمل: أي: داموا فيه.
وقوله: (فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ) .
مضت، يحتمل ما ذكرنا من القتال.
والثاني: سنة الأولين: الهلاك الذي كان.
وقوله: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(39)
قيل: الفتنة: الشرك، أي: قاتلوهم حتى لا يكون الشرك، (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) .
ويحتمل قوله: (حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ) أي: محنة القتال؛ كأنه قال: قاتلوهم إلى الوقت الذي ترتفع فيه المحنة، وهو يوم القيامة.
وفيه دلالة لزوم الجهاد إلى يوم الدِّين، والفتنة: هي المحنة التي فيها الشدة،
(وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) .
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) .
يخرج على وجهين:
أحدهما: ويكون من الدِّين الذي هو الدِّين كله لله، لا نصيب لأحد فيه، وهو السبيل التي كانت للشيطان؛ كأنه قال: وتكون الأديان التي يدان بها دينًا واحدًا، وهو دين الله الذي يُدعى الخلق إليه، وبذلك بعث الرسل والكتب، واللَّه أعلم.
والثاني: يحتمل أن يكون الحكم كله لله؛ كقوله: (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ) ، أي: في حكم الملك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) .
وقوله: (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ ...(40)
قيل: ناصركم.
وقيل: المولى: المليك.
(نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) .