ومن قال: إنّ الكلام كله للكفار ، وهو ما روي عن ابن عباس ، وأبي زيد ، والسدي ، لم يقف على: {وَأَنتَ فِيهِمْ} .
{وَمَا كانوا أَوْلِيَآءَهُ} ، وقف.
والأحسن في هذه الآيات أن يكون المعنى: أن منهم من سيؤمن فيستغفر ،
وقد علم الله عز وجل ، ذلك منهم ، فهو قوله: {وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} ،/ أي: سيكون منهم ذلك ، ومنهم من يموت على الكفر ، علم الله ذلك منهم ، فهم الذين قيل فيهم: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله} ، والسورة مدنية كلها.
قوله: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً} ، إلى قوله: {يُحْشَرُونَ} .
رُوي عن أبي بكر عن عاصم:
{وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ} ، بالنصب ، {إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً} ، بالرفع ، مثل قول
الشاعر:
يكون مِزَاجَهَا عسل وماء . ... ومعنى الآية: وما كان يا محمد ، صلاة هؤلاء المشركين عند البيت الحرام {إِلاَّ مُكَآءً} ، أي: تصفيراً ، {وَتَصْدِيَةً} ، أي: تصفيقاً.
يُقال: مَكا يَمْكُو مَكْواً ومُكاءً ، إذا صَفَر .
وصدَّى يُصدِّي تصدية ، إذا صفَّق.
وقال ابن زيد ، وابن جبير: (التصدية) : صدهم عن سبيل الله.
وهذا إنما يجوز على أن تقدر أنَّ"الياء"بدل من"دال"، مثل: تظَنَّيتُ في تَظَنَّنْتُ.
وحكى النحاس: أنه يجوز أن يكون معناه: الضجيج والصياح ، من قولهم:"صدَّ يَصُدُّ"إذا ضجَّ.
وتبدل من إحدى"الدالين""ياء"أيضاً كالأول ، وأصله:"تَصْدِدَة"في
القولين جميعاً ، ثم أبدلت من"الدال الثانية""ياء".
قال ابن عباس: كانت قريش تطوف حول البيت عراة يُصفرون ويصفقون ، فأنزل الله عز وجل ، {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} [الأعراف: 32] ، فأُمر بلبس الثياب.