إن الله سبحانه وتعالى رد استعجالهم للعذاب، كما استعجل المشركون إسلافهم العذاب، فأنزله تعالى، أما المشركون الذين بعث فيهم محمد - صلى الله عليه وسلم -، فما بعث لهم وحدهم، بل بعث للأحمر والأسود، والأبيض والأصفر، فما كان لينهي رسالته بكفر أهل مكة وإصرارهم على الشرك ومعاندة الحق، بل لَا بد من تبليغ رسالة ربه، وأن يعرفها الكافة فقد أرسل إليهم، كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلنَاكَ إِلَّا كَافَةً لِّلنَّاسِ. . .) ، ولذلك قال: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) على ما ذكرنا ولكنْ هناك عذاب لهم ينزل بهم في الدنيا، أساسه منازعة الحق للباطل، وإزالة مثارات الشيطان أمام شرع الرحمن، ولابد أن يخلو وجه الناس للحق، فكان لابد من مغالبتهم بالقتال، وهو بعون الله تعالى عذاب لهم، وهذا هو العذاب الذي قرره الله تعالى لهم في قوله تعالى:
(وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) .
هذا تعجب من عدم تعذيب الله لهم بالمغالبة، ومنازعتهم ما وضعوا أيديهم عليه بالباطل، وأقاموا أصنامهم فيه، وليسوا أهلا لولايته.
والاستفهام للتعجب من مناقضة حالهم لما يجب لحرم الله الآمن، والمعنى أي أمر ثبت لهم حتى يقيموا في الحرم ولا يعذبهم يمنعهم منه، وهم يحاربون شعائره، وذلك بصدهم عن سبيل الله، وعن المسجد نفسه فهم يمنعون النبي - صلى الله عليه وسلم - من أن يؤدي المناسك، ويمنعون ضعاف المؤمنين بإيذائهم، ويصدون الناس معنويا بوضع الأصنام على الكعبة بناء إبراهيم، وينتهكون المحارم، بحمل الناس على الطواف عرايا رجالا ونساء، حتى إنهن ليسترن سوءاتهن بأكفهن، هذا كله صد عن البيت.
فكيف لَا يعذبهم الله بمغالبتهم على الاستيلاء على البيت، والحال أنهم لا يقومون على حرمات البيت، وهو المسجد الحرام الذي جعله الله حرما آمنا، والناس يتخطفون من حوله.