وإنما لم يُكتف بجملة القصر مع اقتضائه أن غير المتقين ليسوا أولياء المسجد الحرام، لقصد التصريح بظلم المشركين في صدهم المسلمين عن المسجد الحرام بأنهم لا ولاية لهم عليه، فكانت جملة: {وما كانوا أولياءه} أشد تعلقاً بجملة: {وهم يصدون عن المسجد الحرام} من جملة: {إِن أولياؤه إلاّ المتقون} وكانت جملة: {إن أولياءه إلا المتقون} كالدليل، فانتظم الاستدلال أبدع انتظام، ولما في إناطة ولاية المسجد الحرام بالمتقين من الإشارة إلى أن المشركين الذين سلبت عنهم ولايته ليسوا من المتقين، فهو مذمة لهم وتحقيق للنفي بحجة.
والاستدراك الذي أفاده {لكن} ناشئ عن المقدمتين اللتين تضمنتهما جملتا {وما كانوا أولياءه، إن أولياؤه إلاّ المتقون} لأن ذلك يثير فرض سائل يسأل عن الموجب الذي أقحمهم في الصد عنِ المسجد الحرام، ويحسبون أنهم حقيقون بولايته لما تقدم عن"الكشاف"، فحذف مفعول {يعلمون} لدلالة الاستدراك عليه لتعلق الاستدراك بقوله: {وما كانوا أولياءه} .
وإنما نفَى العلم عن أكثرهم دون أن يقال ولكنهم لا يعلمون فاقتضى أن منهم من يعلم أنهم ليسوا أولياء المسجد الحرام، وهم من أيقنوا بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم واستفاقوا من غفلتهم القديمة، ولكن حملهم على المشايعة للصادين عن المسجد الحرام، العنادُ وطلبُ الرئاسة، وموافقة الدهماء على ضلالهم، وهؤلاء هم عقلاء أهل مكة ومن تهيأ للإيمان منهم مثل العباسسِ وعَقيل بن أبي طالب وأبي سفيان بن حرب وحَكيم بن حزم وخالد بن الوليد، ومن استبقاهم الله للإسلام فكانوا من نصرائه من بعد نزول هذه الآية. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 9 صـ}