والفرق السادس جواز إظهار (أن) بعد لام كي، ولا يجوز إظهارها بعد لام الجحود لأنها جرت في كلامهم نفيا للفعل المستقبل بالسين أو سوف فصارت لام الجحود بإزائها فلم يظهر بعدها ما لا يكون بعدها، وفي هذه النكتة مطلع على فوائد من كتاب الله ومرقاة إلى تدبره كقوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} فجاء بلام الجحود حيث كان نفيا لأمر متوقع وسبب مخوف في المستقبل ثم قال: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} فجاء باسم الفاعل الذي لا يختص بزمان حيث أراد نفي وقوع العذاب بالمستغفرين على العموم في الأقوال لا يخص مضيا من استقبال
ومثله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى} ثم قال: {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى} فلاحظ هذه الآية من مطلع الأخرى تجدها كذلك لام العاقبة أو لام الصيرورة.
وأما لام العاقبة ويسمونها لام الصيرورة في نحو: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً} فهي في الحقيقة لام كي ولكنها تتعلق بالخبر لقصد المخبر عنه وإرادته ولكنها تعلقت بإرادة فاعل الفعل على الحقيقة وهو الله سبحانه وتعالى أي فعل الله تعالى ذلك ليكون كذا وكذا وكذلك قولهم أعتق ليموت لم يعتق لقصد الموت ولم تتعلق اللام بالفعل وإنما المعنى قدر الله أنه يعتق ليموت، فهي متعلقة بالمقدور وفعل الله.
ونظيره «إِنِّي أَنْسَى لِأَسُنَّ»
[ضعيفٌ]
ومن رواه «أُنَسَّى» بالتشديد فقد كشف قناعَ المعنى، وسمعت شيخنا أبا العباس ابن تيمية يقول: يستحيل دخول لام العاقبة في فعل الله فإنها حيث وردت في الكلام فهي لجهل الفاعل لعاقبة فعله كالتقاط آل فرعون لموسى فإنهم لم يعلموا عاقبته أو لعجز الفاعل عن دفع العاقبة نحو: لدوا للموت وابنوا للخراب
فأما في فعل من لا يعزب عنه مثقال ذرة ومن هو على كل شيء قدير فلا يكون قط إلا لام كي وهي لام التعليل ولمثل هذه الفوائد التي لا تكاد توجد في الكتب يحتاج إلى مجالسة الشيوخ والعلماء. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...