وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ) .
جعل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - هذه الأمة وسطًا عدلًا بقوله: (جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) ؛ فكأنه قال: يا أيها الذين آمنوا قد جعلكم اللَّه أمناء عدلا وسطًا، فلا تخونوا اللَّه فيه؛ كقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ...) الآية، وقال: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، وقال. (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ...) ، أخبر أنه ألزمهم الأمانة - أعني: البشر - دون ما ذكر من الخلائق فمنهم من ضيّع تلك الأمانة؛ من نحو المنافقين والمشركين، وخانوا فيها، فلحقهم الوعيد بالتضييع، وهو قوله: (لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ...) الآية، فكأنه قال: يَا أَيُّهَا الذين آمنوا، قد قبلتم أمانة اللَّه فلا تضيعوها، ولا تخونوا فيها؛ كما قال: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ) ، (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) ، وغيرها من الآيات التي فيها ذكر الأمانات، نهاهم أن يخونوا فيها، فيكونون كأنهم خانوا أمانتهم.
ويحتمل قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ، إن أنفسكم وأموالكم لله، وهي عندكم أمانة استحفظكم فيها، فلا تستعملوها في غير ما أذن لكم؛ لأن من استحفظ أحدًا في شيء ووضع عنده أمانة، فاستعملها في غير ما أذن له - صار خائنا فيها ضامنًا؛ فعلى ذلك