عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ:"نَزَلَتْ فِي أَبِي لُبَابَةَ، بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ أَنَّهُ الذَّبْحُ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقَالَ أَبُو لُبَابَةَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَذُوقُ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا حَتَّى أَمُوتَ أَوْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ، فَمَكَثَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ لَا يَذُوقُ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا، حَتَّى خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا لُبَابَةَ قَدْ تِيبَ عَلَيْكَ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَحُلُّ نَفْسِي حَتَّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي يَحُلُّنِي، فَجَاءَهُ فَحَلَّهُ بِيَدِهِ. ثُمَّ قَالَ أَبُو لُبَابَةَ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَهْجُرَ دَارَ قَوْمِي الَّتِي أَصَبْتُ بِهَا الذَّنْبَ وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي قَالَ: «يُجْزِيكَ الثُّلُثُ أَنْ تَصَدَّقَ بِهِ» "
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ:"نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قَتْلِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} الْآيَةَ"
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ نَهَى الْمُؤْمِنِينَ عَنْ خِيَانَتِهِ وَخِيَانَةِ رَسُولِهِ وَخِيَانَةِ أَمَانَتِهِ. وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فِي أَبِي لُبَابَةَ، وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فِي غَيْرِهِ، وَلَا خَبَرَ عندَنَا بِأَيِّ ذَلِكَ كَانَ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ بِصِحَّتِهِ، فَمَعْنَى الْآيَةِ وَتَأْوِيلُهَا مَا قَدَّمْنَا ذَكَرَهُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ. لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ، فَإِنَّ ذَلِكَ خِيَانَةٌ لِأَمَانَاتِكُمْ وَهَلَاكٌ لَهَا
عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ:" {لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أَيْ: لَا تُظْهِرُوا لِلَّهِ مِنَ الْحَقِّ مَا يَرْضَى بِهِ مِنْكُمْ ثُمَّ تُخَالِفُوهُ فِي السِّرِّ إِلَى غَيْرِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ هَلَاكٌ لِأَمَانَاتِكُمْ وَخِيَانَةٌ لِأَنْفُسِكُمْ"
فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلَ، قَوْلُهُ: {وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الظَّرْفِ. كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الكامل]