والحاصل: ما رميت خلقاً إذا رميت كسباً . وأورد عليه أن المدعي وإن كان حقاً ، لكن لا دلالة في الآية عليه ، لأن التعارض بين النفي والإثبات الذي يتراءى في بادئ النظر ، مدفوع بأن المراد ما رميت رمياً تقدر به على إيصاله إلى جميع العيون ، وإن رميت حقيقة وصورة ، وهذا مراد من قال: ما رميت حقيقة إذ رميت صورة ، فالمنفي هو الرمي الكامل ، والمثبت أصله ، وقدر منه .
فالإثبات والنفي لم يردا على
شيء واحد ، حتى يقال: المنفي على وجه الخلق ، والمثبت على وجه المباشرة ، ولو كان المقصود هذا لما ثبت المطلوب بها ، الذي هو سبب النزول ، من أنه أثبت له الرمي ، لصدوره عنه ، ونفى عنه ، لأن أثره ليس في طاقة البشر ، ولذا عدت معجزة له ، حتى كأنه لا مدخل له فيها أصلاً . فمبنى الكلام على المبالغة ، ولا يلزم منه عدم مطابقته للواقع ، لأن معناه الحقيقي غير مقصود . هكذا ينبغي أن يفهم هذا المقام إذ لو كان المراد ما ذكر ، لم يكن مخصوصاً بهذا الرمي ، لأن جميع أفعال العباد كذلك بمباشرتهم وخلق الله . انتهى .
وهذا التحقيق جيد ، وقد نبه عليه أيضاً العلامة ابن القيم في"زاد المعاد"حيث قال:
وقد ظنت طائفة أن الآية دلت على نفي الفعل عن العبد وإثباته لله ، وأنه هو الفاعل حقيقة ، وهذا غلط منهم من وجوه عديدة ، مذكورة في غير هذا الموضع .
ومعنى الآية: أن الله سبحانه أثبت لرسوله ابتداء الرمي ، ونفى عنه الإيصال الذي لم يحصل برميه ، فالرمي يراد به الحذف والإيصال ، فأثبت لنبيه الحذف ، ونفى عنه الإيصال . انتهى .
وقوله تعالى: {وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ} أي: ليمنحهم من فضله {بَلاء حَسَناً} أي: منحاً جميلاً ، بالنصر والغنيمة والفتح ، ثم بالأجر والمثوبة ، غير مشوب بمقاساة الشدائد والمكاره ، فيعرفوا حقه ويشكروه .