ولما رد ما باشروه إليه سبحانه ، أتبعه ما باشره نبيه - صلى الله عليه وسلم - دلالة على ذلك لأنه - صلى الله عليه وسلم - لما رأى قريشاً مقبلة قال: اللهم! هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك ، فقال جبرائيل عليه السلام: خذ قبضة من تراب فأرمهم بها ، ففعل فملأت أعينهم فانهزموا فقال: {وما رميت} أي يا سيد المؤمنين الرمل في أعين الكفار {إذ رميت} أي أوقعت صورة قذفه من كفك ، لأن هذا الأثر الذي وجد عن رميك خارق للعادة ، فمن الواضح أنه ليس فعلك ، وهذا هو الجواب عن كونه لم يقل: فلم تقتلوهم إذ قتلتموهم ، لأن زهوق النفس عن الجراح المثخن هو العادة ، فهم الذين قتلوهم حين باشروا ضربهم ، فلا يصح: فلم تقتلوهم حتى قتلتموهم ، والمنفيّ إنما هو السبب المتقدم على القتل الممكن من القتل ، وهو تسكين قلوبهم الناشئ عند إقدامهم وإرعاب الكفار الناشئ عند ضعفهم وانهزامهم الممكن منهم ، فالمنفي عنهم البداية والمنفي عنه - صلى الله عليه وسلم - الغاية ، أو أن الملائكة عليهم السلام لما باشرت قتل بعضهم صح أن ينفي عنهم قتل المجموع مطلقاً ، أو أنهم لما افتخر بعضهم بقتل من قتل نفاه سبحانه عنهم مطلقاً لأن مباشرتهم لقتل من قتل في جنب ما أعد لهم من الأسباب وأيدهم به من الجنود عدم ، وأما النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه فعل ما أمر به من رمي الرمل ولم يعد فعله ولا ذكره ، فأثبته سبحانه له مع نفي تأثيره عنه وإثباته لمن إليه ترجع الأمور تأديباً منه سبحانه لهذه الأمة ، أي لا ينظر أحد إلى شيء من طاعته ، فإنا قد نفينا هذا الفعل العظيم عن أكمل الخلق مع أنه عالم مقر بأنه منا فليحذر الذي يرى له فعلاً من عظيم سطواتنا ، ولكن لينسب جميع أفعاله الحسنة إلى الله تعالى كما نسب الرمي إليه بقوله: {ولكن الله} أي الذي لا راد لأمره {رمى} لأنه الذي أوصل أثره بما كان هازماً للكفار ، فعل ذلك كله ليبلي الكفار منه بأيدي من