وكان الأخفش يذهب إلى أن المحذوف الياء لأنها من نفس الكلمة فهي أولى بالحذف من الواو التي جلبت للمعنى وهي واو المفعول، فقال له أبو عثمان المازني: (فإذا كان المحذوف الياء عندكم، فلم قلبت الواو ياء وقبلها حرف مضموم؟) فقال: (كسرت ما قبل الواو لتنقلب الواو ياء فيفرق بين ذوات الواو وذوات الياء) ، فالياء في قولنا: مبيع ومخيط هي ياء يبيع ويخيط عند سيبويه.
وعند الأخفش هي واو (مبيوع) قلبت ياء لانكسار ما قبلها، والمدينة على رأي المبرّد (مفعوله) وتأنيثها من جهة المعنى، والمراد: الأرض المدينة أو البقعة أو البلدة التي اساسها السلطان.
وقال الفراء:(تقول العرب: دنته أدينه إذا ملكته، والمدينة الأرض التي ملكها سايسها ومن هذا يقال للأمة مدينة أي: مملوكة وهي في الأصل مديونة.
ومنه قول الأخطل:
ربَتْ وزكى في كومها ابنُ مَدِينَةٍ ... يَظَلُّ على مِسحاتِهِ يَتركَّلُ
يعني: ابن أمةٍ.
فهذا ذكر اختلافهم في هذا الحرف)، والصحيح أنها (فعيلة) لاجتماع القراء على همز {الْمَدَائِنِ} ، والذين قالوا: إنها مفعلة أو مفعولة. قالوا: إنما همزت المدائن تشبيهاً بالقبائل والصحائف كما همز نافع {المعائش} ، وقد ذكرنا ذلك مستقصًى عند قوله: {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} [الأعراف: 10] .
وأما التفسير فقال ابن عباس في قوله: {وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} : (يريد: في مدائن صعيد مصر رجالاً يحشروا إليك ما في الصعيد من السحرة) .
قال الكلبي: (وكانت له مدائن فيها السحرة عُدَّة للأشياء؛ إذا حزبه أمر أرسل إليهم) . قال ابن عباس: (وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد) .