وجملة: {قال النار مثواكم} فصلت عن الّتي قبلها على طريقة القول في المحاورة، كما تقدّم عند قوله تعالى: {قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها} في سورة البقرة (30) .
وضمير الخطاب في قوله: النار مثواكم موجَّه إلى الإنس فإنَّهم المقصود من الآية، كما في قوله تعالى: {بل كانوا يعبدون الجنّ أكثرهم بهم مؤمنون فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفاً ولا ضراً ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النّار التي كنتم بها تكذّبون} [سبأ: 41، 42] وقوله: {وتمَّت كلمة ربّك لأملأن جهنّم من الجِنّة والنّاسِ أجمعين} [هود: 119] .
ومجيء القول بصيغة الماضي: للتّنبيه على تحقيق وقوعه وهو مستقبل بقرينة قوله: {يحشرهم} كما تقدّم.
وإسناده إلى الغائب نظرٌ لما وقع في كلام الأولياء: {ربنا استمتع} إلخ.
والمثوى: اسم مكان من ثَوى بالمكان إذا أقام به إقامةَ سكنى أو إطالة مكث، وقد بيّن الثّواء بالخلود بقوله: {حالدين فيها} .
وقوله: {حالدين فيها} هو من تمام ما يقال لهم في الحشر لا محالة، لأنَّه منصوب على الحال من ضمير مثواكم، فلا بدّ أن يتعلّق بما قبله.
وأمّا قوله: {إلا ما شاء الله} فظاهر النظم أنّه من تمام ما يقال لهم.
لأنّ الأصل في الاستثناء أن يكون إخراجاً ممّا قبله من الكلام.
ويجوز أن يكون من مخاطبة الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وقع اعتراضاً بين ما قصّه عليه من حال المشركين وأوليائهم يوم الحشر، وبين قوله له: {إن ربك حكيم عليم} ويكون الوقف على قوله: {خالدين فيها} .
والاستثناء في قوله: {إلا ما شاء الله} على التّأويلين استثناء إمَّا من عموم الأزمنة الّتي دلّ عليها قوله: {خالدين فيها} إذ الخلود هو إقامة الأبد والأبَد يعمّ الأزمان كلّها، ف (ما) ظرفية مصدرية فلذلك يكون الفعل بعدها في تأويل مَصدر، أي إلاّ وقت مشيئة الله إزالة خلودكم، وإمَّا من عموم الخالدين الّذي في ضمير {خالدين} أي إلاّ فريقاً شاء الله أن لا يخلدوا في النّار.