فكأن هؤلاء إذا نقلوا إلى غاية اعذاب ونهاية الشدة فقد وصلوا إلى حد الذي يكاد أن يخرج يخرج عن اسم العذاب المطلق حتى تسوغ معاملته في التعبير بمعاملة المغاير وهو وجه حسن لا يكاد يفهم من كلام الزجاج إلا بعد هذا البسط، وفي تفسير ابن عباس رضي الله عنهما ما يؤيده"انتهى، ونقل عن بعضهم أن هذا الاستثناء معذوق بمشيئة الله تعالى رفع العذاب أي يخلدون إلى أن يشاء الله تعالى لو شاء."
وفائدته إظهار القدرة والإذعان بأن خلودهم إنما كان لأن الله تعالى شأنه قد شاءه وكان من الجائز العقلي في مشيئته أن لا يعذبهم ولو عذبهم لا يخلدهم وأن ذلك ليس بأمر واجب عليه وإنما هو مقتضى مشيئته وإرادته عز وجل، وفي الآية على هذا دفع في صدور المعتزلة الذين يزعمون أن تخليد الكفار واجب على الله تعالى بمقتضى الحكمة وأنه لا يجوز في العقل مقتضى ذلك، ولعل هذا هو الحق الذي لا محيص عنه، وفي معناه ما قيل: المراد المبالغة في الخلود بمعنى أنه لا ينتفي إلا وقت مشيئة الله تعالى وهو مما لا يكون مع إيراده في صورة الخروج واطماعهم في ذلك تهكماً وتشديداً للأمر عليهم، ومن أفاضل العصريين الأكابر من ادعى ذلك الوجه له وانه قد خلت عنه الدفاتر وهو مذكور في غير ما موضع فإن كان لا يدري فتلك مصيبة وإن كان يدري فالمصيبة أعظم، وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة الكلام في ذلك عند قوله سبحانه: {إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ} [هود: 108] .
{إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ} في التعذيب والإثابة أو في كل أفعاله {عَلِيمٌ} بأحوال الثقلين وأعمالهم وبما يليق بها من الجزاء أو بكل شيء ويدخل ما ذكر دخولاً أولياً. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 8 صـ}