وهنا يثار بحث: هل تناول المباح يعد من الإيمان؟ ونقول في الجواب عن ذلك: إن تناول المباح له جانبان، جانب التناول، وهو مباح بالجزء، فيجوز للإنسان أن جمل نوعا، وألا يأكل آخر، فيجوز أن يأكل اللحم، وأن يأكل الطير، أو يأكل السمك، فكلها حلال طيب، ولكن لَا يجوز أن يمتنع عنها جملة، فهي مباح بالجزء مطلوبة بالكل، فلا يجوز أن يمتنع عن كل المباحات، والجانب الثاني أن يحسب أن الامتناع عن بعض المباحات تعبد، كأن يمتنع عن اللحم من غير ضرورة جسمية كبعض الذين يسمون أنفسهم نباتيين، فإن هذا يكون ممنوعا لغير ضرِورة أو حاجة، فإنه يدخل في النهي في قوله تعالى: (يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تحرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ. . .) ، وقال تعالى مستنكرًا مِن حرم بعض اللباس من غير نص والطيبات من الرزق، فقال تعالى: (قُلْ منْ حرَّمَ زِينة اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ. . .) .
ولذا قال تعالى: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ...(119)
(ما) هنا للاستفهام الإنكاري، وهو بمعنى التوبيخ للمشركين إذ حرموا على أنفسهم ما لم يحرم الله من بعض الأنعام كالسائبة والبحيرة والحام؛ وذلك لأنه
إنكار للواقع، وإنكار الواقع توبيخ، والمعنى أي حجة لكم في ألا تأكلوا ما ذكر اسم الله تعالى عليه، لَا دليل، فانتم تحرمون على أنفسكم ما أحل الله لكم، وتنسبون التحريم لله سبحانه وتعالى وذلك افتراء على الله تعالى، وكذب عليه، كما قال تعالى في هذا الشأن إذ حرموا ما حرموا مدعين أنه من عند الله: (. . . قُلْ هَلْ عِندَكم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن ثَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ) .