وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْمُنْفَرِدِ مِنْهُمْ. فأكثر قول مالك وأصحابه ترك الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِهِمْ، وَتَرْكُ قَتْلِهِمْ وَالْمُبَالَغَةُ فِي عُقُوبَتِهِمْ، وَإِطَالَةُ سِجْنِهِمْ حَتَّى يَظْهَرَ إِقْلَاعُهُمْ، وَتَسْتَبِينَ تَوْبَتُهُمْ.
كَمَا فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِصَبِيغٍ وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ فِي الْخَوَارِجِ وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ وَقَوْلُ سُحْنُونٍ فِي جَمِيعِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَبِهِ فُسِّرَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ وَمَا رَوَاهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَجَدِّهِ وَعَمِّهِ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي القدرية: يستتابون، فإن تابوا وإلا قتلوا.
وَقَالَ عِيسَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: فِي أَهْلِ الْأَهْوَاءِ مَنِ الْإِبَاضِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَشِبْهِهِمْ مِمَّنْ خَالَفَ الْجَمَاعَةَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالتَّحْرِيفِ لِتَأْوِيلِ كِتَابِ اللَّهِ .. يُسْتَتَابُونَ .. أَظْهَرُوا ذَلِكَ أَوْ أَسَرُّوهُ فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا، وَمِيرَاثُهُمْ لِوَرَثَتِهِمْ.
وَقَالَ مِثْلَهُ أَيْضًا ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فِي أَهْلِ الْقَدَرِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ: وَاسْتِتَابَتُهُمْ أَنْ يُقَالَ لهم: أتركوا ما أنتم عليه.
ومثله فِي الْمَبْسُوطِ فِي الْإِبَاضِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَسَائِرِ أَهْلِ الْبِدَعِ قَالَ:
وَهُمْ مُسْلِمُونَ .. وَإِنَّمَا قُتِلُوا لِرَأْيِهِمُ السُّوءِ.
وَبِهَذَا عَمِلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا .. اسْتُتِيبَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
وَابْنُ حَبِيبٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا يرى تكفيرهم وتكفير أَمْثَالِهِمْ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا عَنْ سُحْنُونٍ مِثْلُهُ .. فِيمَنْ قَالَ: لَيْسَ لِلَّهِ كَلَامٌ .. أَنَّهُ كَافِرٌ.
وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ مَالِكٍ. فَأَطْلَقَ فِي رِوَايَةِ الشَّامِيِّينَ أَبِي مُسْهِرٍ وَمَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّاطِرِيِّ الْكُفْرَ عَلَيْهِمْ ..
وَقَدْ شُووِرَ فِي زَوَاجِ الْقَدَرِيِّ .. فَقَالَ: لَا تُزَوِّجْهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى .. «وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ» .