وَأَفْتَى أَخُوهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ عَاصِمٍ، وَسَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْقَاضِي يطرح الْقَتْلِ عَنْهُ إِلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ رَأَى عَلَيْهِ التَّثْقِيلَ فِي الْحَبْسِ وَالشِّدَّةَ فِي الْأَدَبِ لِاحْتِمَالِ كَلَامِهِ وَصَرْفِهِ إِلَى التَّشَكِّي.
فَوَجَّهَ مَنْ قَالَ فِي سَابِّ اللَّهِ بِالِاسْتِتَابَةِ أَنَّهُ كُفْرٌ وَرِدَّةٌ مَحْضَةٌ، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقٌّ لِغَيْرِ اللَّهِ فَأَشْبَهَ قَصْدَ الْكُفْرِ بِغَيْرِ سَبِّ اللَّهِ وَإِظْهَارَ الِانْتِقَالِ إِلَى دِينٍ آخَرَ مِنَ الْأَدْيَانِ الْمُخَالِفَةِ للإسلام.
وَوَجْهُ تَرْكِ اسْتِتَابَتِهِ: أَنَّهُ لَمَّا ظَهَرَ مِنْهُ ذَلِكَ بَعْدَ إِظْهَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلُ اتَّهَمْنَاهُ وَظَنَنَّا أَنَّ لِسَانَهُ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ إِلَّا وَهُوَ مُعْتَقِدٌ لَهُ .. إِذْ لَا يَتَسَاهَلُ فِي هَذَا أَحَدٌ، فَحُكِمَ لَهُ بِحُكْمِ الزِّنْدِيقِ، وَلَمْ تُقْبَلْ توبته وإذا انتقل من دين إلى دين آخَرَ وَأَظْهَرَ السَّبَّ بِمَعْنَى الِارْتِدَادِ فَهَذَا قَدْ أَعْلَمَ أَنَّهُ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ، بخلاف الأول المستمسك بِهِ وَحُكْمُ هَذَا حُكْمُ الْمُرْتَدِّ يُسْتَتَابُ عَلَى مشهور مذاهب أكثر العلماء.
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ قبل وذكرنا الخلاف في فصوله.
(فَصْلٌ: فِي حُكْمُ إِضَافَةِ مَا لَا يَلِيقُ به تعالى عن طريق الاجتهاد والخطأ)
وَأَمَّا مَنْ أَضَافَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا لَا يَلِيقُ بِهِ. لَيْسَ عَلَى طَرِيقِ السَّبِّ وَلَا الرِّدَّةِ وَقَصَدَ الْكُفْرَ .. وَلَكِنْ عَلَى طَرِيقِ التَّأْوِيلِ وَالِاجْتِهَادِ وَالْخَطَأِ الْمُفْضِي إِلَى الْهَوَى وَالْبِدْعَةِ .. مِنْ تَشْبِيهٍ، أَوْ نَعْتٍ بِجَارِحَةٍ، أَوْ نَفْيِ صِفَةِ كَمَالٍ.
فَهَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ فِي تَكْفِيرِ قَائِلِهِ وَمُعْتَقِدِهِ وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي قِتَالِهِمْ إِذَا تَحَيَّزُوا فِئَةً .. وَأَنَّهُمْ يُسْتَتَابُونَ فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا.