عباسيُّ! اقض دينه.
ثم انصرفنا، فقال لي: ما أغنى عني صاحبك شيئًا انظر لي رجلًا أسأله.
قلت: ههنا الفضيل بن عياض، فقال: امض بنا إليه، فأتيناه وإذا هو قائم يصلي يتلو آية من القرآن يرددها، قال: اقرع الباب، فقرعته، فقال: من هذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين، فقال: مالي ولأمير المؤمنين؟
فقلت: سبحان الله! أما عليك طاعته؟ فنزل ففتح الباب، ثم ارتقى إلى الغرفة فأطفأ السراج، ثم التجأ إلى زاوية من زوايا البيت.
فدخلنا فجعلنا نجول عليه بأيدينا، فسبقت كف هارون قبلي إليه.
فقال [1] : يا لها من كف ما أنعمها وألينها إن نجت غدًا من عذاب الله.
فقلت في نفسي: ليكلمنه الليلة بكلام نقي من قلب نقي. فقال له: خذ لما جئناك له - رحمك الله -.
فقال [2] : إن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة دعا سالم بن عبد الله، ومحمد بن كعب القرظي، ورجاء بن حيوة، فقال لهم: قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا عليَّ، فعدَّ الخلافة بلاءً، وعددتها أنت وأصحابك نعمة؟!
فقال له سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة من عذاب الله فصم عن الدنيا، وأكرم أخاك، وتحنن على ولدك وليكن إفطارك منها الموت.
وقال له محمد بن كعب: إن أردت النجاة من عذاب الله فليكن كبير المسلمين عندك أبًا، وأوسطهم عندك أخًا، وأصغرهم عندك ولدًا، فوقَّر أباك، وأكرم أخاك، وتحنن على ولدك.
(1) أي الفضيل بن عياض.
(2) أي الفضيل بن عياض.